108
الجزء ٦ · صفحة ٣١٩﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ هَذهِ ﴾ أى هذه السبيل التى هى ملة الإسلام ، أو هذه الشريعة ﴿ سَبِيلى ﴾ والسبيل يؤنث كما هنا إذا جعلنا الإشارة إليه بذكر شبه الإسلام بطريق يمشى فيه ، ويوصل إلى المقصود ، لأنه يوصف إلى الرضا الله وثوابه .
﴿ أدْعُوا إلى اللّهِ ﴾ كل أحد ، أى إلى دين الله ، فمن هلك فإنما التفريط من قبله ، إذ لم يجبنى ، والجملة مستأنفة لا تفسير لما قبله كما قيل : لأن السبيل المشار إليه جميع ملة الإسلام لا الدعاء إليها فقط ، نعم يجوز أن يكون تفسيرا من حيث إن الدعاء إليها مستلزم لوجودها ، وإلا لم يتصور الدعاء إليها فى الجملة ، لأن الإنسان إنما يدعو إلى ما يرتضيه فى الجملة ، أو من حيث تحميل الإشارة ، والسبيل بمعنى الدعاء إلى الدين ، ولا حال من الياء إلا على القول الفارسى من جواز مجئ الحال من المضاف إليه مطلقا ، وقد يقال إن هنا مسوغا هو أن المضاف مثل جزاء المضاف إليه ، ويجوز كون الجملة حالا من سبيلى ، أو من هذه والربط ظاهر محذوف قائم مقام الضمير ، أى إلى دين الله ، ودينه هو السبيل المذكورة .
﴿ عَلى بَصيرةٍ ﴾ حجة باصرة لا عمياء ، وسميت بصيرة لأنها آلة لإبصار الحق ، أو للمبالغة فى وضوحها ، حتى كأنها باصرة ، أو هى بمعنى المبصرة بفتح الصاد أى يراه الإنسان حقا ، ويعتقده ويعلق بمحذوف حال من المستتر فى أدعو .
﴿ أنا ﴾ توكيد لضمير الاستقرار فى على بصيرة ، أو للضمير المستتر فى أدعو ، ولو وجد الفاصل لأنه وارد ، ولأن الفاصل هنا متضمن لمثل ذلك المستتر ، وأنا فاعل لقوله : ﴿ على بصيرة ﴾ لاعتمادها للظرف على ذى حال .
﴿ ومَنِ اتَّبعِنى ﴾ عطف على المستتر فى أدعو أو فى على بصيرة ، لا على أنا إلا إذا جعل فاعلا للظرف ، ويجوز كون أنا مبتدأ ، ومَن معطوفا عليه وعلى بصيرة خبرا ﴿ وسُبْحان الله ﴾ أى وتنزهه عن الشرك تنزيها ، فالعطف على أدعو ، وقيل : مفعول لمحذوف ، والمحذوف معطوف على قل ، أى وقل سبحان الله ، وذلك بحسب الأصل ، وإلا فالمراد قل لهم هذه الألفاظ .
﴿ ومَا أنا مِنَ المشْركينَ ﴾ وكذا من اتبعنى ، وظاهر هذا أن يقدر فى سبحان الله أنزه الله بهمزة المتكلم ، وظاهر قوله : ﴿ ومن ابتعنى ﴾ أن يقدر بالنون كما مر ، والوجهان جائزان ، لأنه متبوع فى تنزيهه الله ، وعدم الإشراك ، ويجب على من آمن به أن يدعو إلى ما دعى إليه ، ويذكر بالقرآن ، والمراد بمن اتبعه أصحابه ، وهم على أحسن طريقة ، وأفضل هداية ، وهم معدن العلم ، وكنز الإيمان ، وجند الرحمن ، أبرَّ الأمة قلوبا ، واعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، اختارهم الله لصحبة نبيه ، ونقل دينه ، ومن كان مستنا فليستن بهم ، فليتشبه بأخلاقهم ، أعنى من مات منهم قبل الفتنة ، أو كان على الحق بعدها .