109
الجزء ٦ · صفحة ٣٢٠﴿ وما أرسَلْنا مِن قَبلكَ إلا رجَالاً ﴾ رد على من قال : ﴿ لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ﴾ وقال ابن عباس : ذلك نفى لاستنباء النساء ، ويقال لمن ادعت النبوة : لم تزل أنبياء الله ذكرانا ، والمراد بالإرسال الجعل أنبياء ، سواء مع رسالة أو عدمها ، وما ذكرته أولا أولى من قول ابن عباس ، لأنهم لم يدعوا بنبوءة امرأة ، ويرد عليهم بذلك ، اللهم إلا أن يراد مجرد الإخبار بأن المرأة لا ترسل ، وأراد ابن عباس أن الآية تنفى نبوتها ، ولو كان المقصود بالذات فيها نفى رسالة الملك ، ويجوز أن يراد بيان خطئهم فى استهزائهم وتهكمهم فى أخت العباس ، لما رأت فى المنام ما يدل على هلاكهم فى بدر ، إذ قال بعضهم للعباس : متى حدثت هذه النبية فيكم؟ وقد مر بيان ذلك ، ولو كان بين نزول هذه السورة وقولهم ذلك مدة .
﴿ نُوحى إليْهم ﴾ قال أبو عمرو الدانى : قرأ حفص نوحى إليهم ، هنا ، وفى النحل ، والأول من الأنبياء بالنون وكسر الحاء والباقون بالياء وفتح الحاء ، وحمزة والكسائى يميلان على أصلهم انتهى .
﴿ مِنْ أهلِ القُرى ﴾ المراد ما يشمل الأمصار ، وذلك لأنهم أعلم وأحلم من أهل البدو ، ولم يبعث الله نبيا من أهل البدو لجهلهم وجفائهم وقسوتهم ، ولا يعترض ذلك ببدو يعقوب ، لأن بدوه لم يكن فى أهل عمود ، بل باستقرار ومنازل وربوع ، بل قد بنى بيتا سكنه ، ومر كلام فى ذلك أو جعله بدوا بالإضافة إلى مصر .
قال رسول الله A : « فضيلة أهل المدائن ، أى الأمصار ، على أهل القرى كفضيلة الرجال على النساء وفضيلة أهل القرى على أهل العمود كفضيلة الرجال على النساء ، وأهل الكفور كأهل القبور » فقيل : ما الكفور؟ فقال : « البيت بعد البيت » وقال : « ما من ثلاثة يكونون فى قرية البدو ولا يُجمعون للصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، وإنما يأخذ الذئب من الغنم القاصية » وقال : « الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأتى الشاة القاصية ، عليكم بالمساجد والجماعة والعامة ، وإياكم والشعاب » .
وكان معاذ على بعض أهل الشام فجاءه ناس من أهل البادية فقالوا له : قد شقت الإقامة ، فلد بدأن بنا ، فقال لعمرى لابداء لكم قبل الحاضرة أهل العبادة وأهل المساجد ، سمعت رسول الله A يقول : « عليهم تنزل السكينة ، وإليهم يأتى لاخير ، وبهم يبدأ يوم القيامة » قال والخير الوحى ، ولا نبى من الجن بعد خلق آدم ، وأما قبله فقيل : كانت الجن تعمر الأرض وأنبياءهم منهم لا من النساء ، وفى نبوءة بعض النساء خلاف أذكره فى سورة القصص إن شاء الله ، والتبدى مكروه إلا فى الفتن والهروب بالدين ، فلا يكره بل يستحب ، وإن تحقق فساد الدين بعدمه وجب ، وهذا كله مع إبقاء وطنه فى الحضر .