هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

84

الجزء ٨ · صفحة ٤١٧

إلهى ذهبت قوة رِجْلَىَّ فلا تحملانى ، وذهب المال ، فصرت أسأل بكفى ، ويُطعِمُنى مَن كنت أمونه ، وأُعَيَّر بهلاك أولادى ، ولو بقى واحد أعاننى على بلائى .

إلهى ملَّنِى أهلى ، وعقّنى أرحامى ، وتنكَّرت إلىَّ معارفى ، ورغب عنى صديقى ، وقطعنى أصحابى ، وجُحدت حقوقى ، ونُسِيَت صنائعى . أصرخ فلا يُصرِخونى ، وأعتذر فلا يعذرونى ، وأدعو غلامى فلا يجيبنى ، وأتضرع لأمَتى فلا ترحمنى . كذا قيل ، ولعله تمثيل للإهانة ، وإلا فلا غلام ولا أَمَة له إذ ذاك ، وإن قضاءك هو الذى أذلنى ، وسلطانك والذى أسقمنى وأخلَ جسمى ، فلو أطلق لسانى حتى أتكلم .

ثم قال : لو كان ينبغى للعبد أن يحاجج عن نفسه لرجوت أن تعاقبنى عند ذلك مما بى ، ولكنه ألقانى فهو يرانى ولا أراه ، ويسمعنى ولا أسمعه .

قال ذلك أيوب ، وأصحابه عنده ، فأظلته غمامة ، حتى ظنوا أنه عذاب؛ فنادته الملائكة منها ، أو خلَق الله فيها كلاما : يا أيوب إن الله قريب منك فى كل حين ، فأَدْل بعذرك ، وتكلم ببراءتك ، وخاصم عن نفسك ، واشدد عليك إزارك ، وقم مقام جبار ، فإنه لا ينبغى أن يخاصمنى غلا جبار مثلى إلا مَن يجعل السِّخال فى فم العنقاء ، واللخام فى فم التنِّين ، ويكيل مكيالا من الريح ، ويصر صرة من الشمس ، === . لقد تمنت نفسك أمراً ما يبلغ بمثلك ، أم أردت أن تكابرنى بضعفك ، أو تخاصمنى بفمك أو تحاججنى بخطئك؟

أين أنت يوم خلقت الأرضين؟ هل علمت عَلاَمَ وضعت أسامها؟ وكم قدرها وبُعد زواياها؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض؟ أم يحكمنك كانت الأرض غطاء للماء .

أين أنت يوم رفعت السماء سقفًا؟ وهل يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟

أين أنت يوم سخرت البحار ، وفلقت الأنهار؟ أقدرتك حبست أمواج البحر على حدودها؟ أم فتحت الأرحام؟

أين أنت يوم خلقت البهموت ، وجعلت مكانه فى منقطع الثرى؟

وأين أنت يوم خلقت الجبال؟ وهل تدرى بأى مقدار وزنت؟ وعَلامَ أرسيت؟ وهل لك ذراع تحملها بها؟ وهل تدرى من أين الماء؟ ومم أنشئت السحاب؟ أمِن خزانة الثلج؟ أم من جبل البرَد؟ وأين خزانة الليل بالنهار؟ وخزانة النهار بالليل؟ وأين خزانة الريح؟

وبأى لغة تتكلم الأشجار ، ومَن جعل العقول فى أجواف الرجال؟ وشق الأسماع والأبصار؟ ومَن ذلت الملائكة لملكه؟ وقسم الأرزاق بحكمته؟

أين أنت يوم خلقت التنين رزقه فى البحر ، ومسكنه فى السماء ، وعيناه تتوقدان نارا ، ومنخراه ينثران دخانا ، وفوه يثور منه نار ، جوفه يحترق ، ونفسه يلتهب وزبده جمر كالصخور ، وصرير أسنانه كأصوات الصواعق ، ونظر عينيه كلمع البرق ، والحديد عنده كالتبن ، والنحاس كالخيط يسير فى الهواء كالعصفور ، ويهلك كل ما مر عليه . هل أنت آخذه وواضع اللجام فى شدقه؟ هل تحصى عمره؟ هل تدرى ما خرب من الأرض؟ وماذا يخرب فيما يفنى من عمره؟ أتطيق غضبه حين يغضب؟ أم تأمر فيطيعك .

٣٬٩١٧ / ٧٬٦٨٠