84
الجزء ٨ · صفحة ٤١٨قال أيوب : إلهى قصرت عن هذا الأمر الذى عرض علىَّ . ليت الأرض انشقت لى فذهبت فيها ، ولم أتكلم بشئ يسخط ربى . اجتمع علىَّ البلاء ، وقد علمت أن ذلك كله صنعك ، وأعظم منه . ولا تخفى عنك خافية ، ولا يعجزك شئ . وقد علمت فى بلائى هذا ما لم أكن أعلم ، وخفت أن يكون أمرا أكثر مما كان . إنما كنت أسمع بصوتك ، والآن شاهدت .
تكلمتُ حين تكلمتُ لتعذرنى ، وسكتُّ حين سكتُّ لترحمنى كلمة زلت على لسانى فلن أعود ، وقد وضعت يدى على فىّ ، وعضضت على لسانى ، وألصقت بالتراب خدى ، ودسست فيه وجهى لضاربى ، فما غفر لى ما قلت . فلن أعود لشئ تكرهه منى . واستجرتك من جهد البلاء . فأَجِرْنِى ، واستعنت بك من عقابك فأعنى ، وتوكلت عليك فاكفنى ، واعتصمت بك فاعصمنى .
فقال الله : يا أيوب نَفَذَ فيك حكمى ، وسبقت رحمتى غضبى . قد غفرت لك ورحِمتُك ، ورددت عليك أهلك ومالك ، ومثلهم معهم ، لتكون لمن خلفك آية ، وعِبرة لأهل البلاء ، وعزاءً للصابرين .
اركض برجلك هذا مغتسَل بارد وشراب ، فيه شفاء ، وقرِّب عن أصحابك قربانا واستغفر لهم؛ فإنهم قد عصونى فيك . فغسل وأقبلت امرأته تلتمسه فى مضجعه فلم تجده فَولِهتْ وقالت : يا عبد الله هل لك لرجل المبتلَى الذى كان ها هنا؟
فقال لها : وهل تعرفينه إذا رأيتِه؟
قالت : نعم . ومالى لا أعرفه!
وتبسم . وقال لها : أنا هو . فعرفته لما تبسم ، فاعتنقته .
قال ابن عباس : فوالذى نفسى بيده ما فارقته من عناقه ، حتى مر بهما ما كان لهما من المال و الولد .
وعن أنس عن رسول الله A : إن أيوب نبى الله لبث فى بلائه ثمانى عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوته يغدوان إليه ويروحان . فقال أحدهما لصاحبه : والله لقد أذنب أيوب ذنبا ، ما أذنبه أحد من العالمين .
فقال له صاحبه : وما ذاك؟
فقال : منذ ثمانى عشرة سنة ، لم يC .
ولما راحا إلى أيوب ، ذكر الرجل ذلك له . فقال أيوب : ما أدرى ما تقول غير أنى كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ، فأرجع إلى بيتى ، فأكفِّر عنهما كراهة أن يذكرا الله تعالى فى حقى .
قال : وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسك امرأته بيده حتى يبلغ منزله . ولما كان ذات يوم أبطأ عنها . وذلك أنه أوحى الله تعالى إليه : اركض برجلك فاستبطأته فتلقته لتنظر ما شأنه ، فأقبل عليها وقد أذهب الله عنه ما أصابه من البلاء ، وهو أحسن مما كان . ولما رأته قالت له : هل رأيت نبى الله هذا المبتلى؟
قال لها : أنى أنا هو .
وكان له أندران : أندر للقمح ، وأندر للشعير ، فبعث الله سحابتين أفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب حتى فاض ، والأخرى على أندر الشعير الفضة حتى فاض .