84
الجزء ٨ · صفحة ٤١٩وروى أن الله بعث إليه ملكاً وقال : إن ربك يَقْرؤُك السلام بصبرك ، فاخرج إلى أندرك . فخرج إليه ، فأرسل الله إليه جرادا من الذهب ، فطارت واحدة ، فأتبعها وردها إلى أندره .
فقال له الملك : أما يكفيك ما فى أندرك؟
فقال له : هذه بركة من بركات ربى ، ولا أقنع من بركاته .
وعنه A : بينما أيوب يغتسل عريانا ، مر عليه جراد من ذهب ، فجعل يحشى فى ثوبه . فناداه ربه : ألم أكن أغنيتك عما ترى؟
قال : بَلى يا رب ، ولكن لا غِنى لى من بركتك .
وعن وهب : لم تكن بأيوب أَكَلة . وإنما كان يخرج منه مثل ثدى المرأة ثم ينفقع .
قال الحسن : لم يبق له غير امرأته رحمة ، صبرت معه ، تتصدق وتأتيه بطعام وتحمد الله تعالى معه إذا حَمِده .
وكان أيوب على ما به لا يفتر عن ذكر الله ، والثناء عليه ، والصبر على ما ابتلاه . فصرخ اللعين صرخة ، جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعًا من صبر أيوب .
فلما اجتمعوا حوله قالوا له : ما جزعك؟
قال لهم : أعيانى هذا العبد الذى سألت ربى أن يسلطنى على ماله وولده ، فلم أدَع له مالا ولا ولدا ، فلم يزده ذلك إلا صبرا وثناء على الله تعالى ، ثم سُلِّطتُ على جسده ، فتركته كخرقة ملقاة على كناسة ، لم يقربه أحد إلا امرأته ، قد انتصحت من ربى ، واستعنت بكم لتعينونى عليه .
فقالوا له : أين مكرك؟ أين علمك الذى أهلكت به من مضى؟
قال : بطل ذلك فى أيوب . فأَشيروا علىَّ .
قالوا : نشير عليك بما أتيت به آدم .
قال : من قِبَل امرأته؟
قالوا : شأنك بأَيوب مِن قِبَل امرأته؛ فإنه لا يستطيع أن يعصيها ، وليس أحد يقربُه غيرها .
قال : أصبتم .
فانطلق إبليس إلى امرأته ، فوجدها وهى تتصدق ، فمثل لها فى صورة رجل فقال لها : أين بعلك يا أمة الله؟
قالت : هو ذلك يحك قروحه ، وتتردد الدواب فى جسده . فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع ، فوسوس إليها وذكّرها ما كانت فيه من النعيم والمال ، وذكْرها جمال أيوب وشبابه ، وما هو فيه من الضر ، وأن ذلك لا ينقطع أبداً .
قال الحسن : فصرخت . فلما صرخت علم أنها قد جزعت . فأتاها بسخلة فقال لها : ليذبح هذه أيوب لغير الله ويبرأ . فجاءته وهى تصرخ وقالت : يا أيوب إلى متى يعذبك ربك! ألاَ يرحمك؟ أين المال؟ أين الماشية؟ أين الولد؟ أين الصديق؟ أين لونك الحسن؟ اذبح هذه النخلة لغير الله وتستريح .
قال لها أيوب : أتاك عدو الله تعالى فنفخ فيك؟! ويلك . رأيت ما تبكين عليه ، مما كنا فيه من المال والولد والصحة . مَن أنعم بها علينا؟
قالت : الله D .
قال : وكم متعنا به؟
قالت : ثمانين سنة .
قال : فمنذ كم ابتلانى الله تعالى بهذا البلاء؟
قالت : مذ سبع سنين .