143
الجزء ٢ · صفحة ٨٠﴿ مِمَّن ينْقلبُ علَى عَقِبيْه ﴾ : يرجع إلى ورائه ، والمراد الرجوع إلى الشرك بالزيادة فيه ، كحال اليهود والمنافقين ومشركى قريش ، لأنه كلما نزل من الله جل جلاله أمر فأنكروه ، فإن إنكاره زيادة كفر ، والرجوع إلى الشرك بعد الخروج منه ، كما روى أن جماعة ممن آمنوا شكوا فى الدين وظنوا أن محمداً فى حيرة من أمره حيث كان يستقبل بيت المقدس ، ثم تركه واستقبل الكعبة ، أو الرجوع إلى الشرك مطلقاً سواء بالزيادة منه أو بالرجوع إليه بعد الخروج منه ، واستعار للرجوع إلى الشرك الانقلاب على العقبين ، وهما مؤخرا القدمين ، استعارة مركبة ، فإن أسوأ حالات الراجع الرجوع على العقب .
وقرأ ابن أبى إسحاق على عقبيه بإسكان القاف تخفيفاً ، وكانت العرب لا قبلة أحب إليها من الكعبة ، وصلى رسول الله ، A ، بمكة إلى بيت المقدس مدة إقامته فيها ، وصلت الأنصار نحو بيت المقدس عامين قبل قدوم النبى ، A ، إلى المدينة ، وصلى بعد قدومه إليه ستة عشر شهراً ، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام ، فقال قائلون : ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها ، لقد اشتاق الرجل إلى مولده ، فروى أنهُ لما تحولت القبلة إلى الكعبة ارتد قوم إلى اليهودية ، وقالوا رجع محمد إلى دين آبائه .
﴿ وإنْ كانَتْ لَكَبيرةً ﴾ : إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ، أى وإنه ، أو ضمير القصة ، أى وإنها ، واستحسن هذا حيث كان المسند إليه بعده مؤنثا ، ويجوز مرجوحاً تقدير اسمها ضمير المؤنث الراجع إليه ضمير كانت ، واللام فى ( لكبيرة ) فارقة بين إن النافية والمخففة صارفة لها إلى المخففة ، وتسمى تلك اللام أيضا فاصلة ، وقال الكوفيون : إن نافية واللام بمعنى إلا ، وضمير كانت عائد إلى القبلة أو إلى الجملة أو الردة أو التحويلة أو التولية المفهومات من قوله D : ﴿ وما جَعَلنا القبلة التى كنت عليها ﴾ ومعنى كبيرة شاقة . وقرأ اليزيدى برفع كبيرة على أنه خبر لمحذوف ، أى لهى كبيرة ، والجملة خبر كانت ، وقيل كبيرة بالرفع خبر إن ، وكانت زائدة ، واعترض بأن كان الزائدة لا تعمل فى شئ ، فيجاب بأنها قد عملت فى قوله :
وجيران لنا كانوا كرام … فكان وضميره زائدان .
﴿ إلاَّ علَى الَّذينَ هَدَى الله ﴾ : منهم إلى حكمة الأحكام الصادقين فى إتباع محمد رسول الله صلى الله عليهِ وسلم ، الثابتين على الإيمان والأحكام ، ولما تحولت القبلة كان من قول اليهود يا محمد إن كانت الأولى حقا فأنت الآن مبطل ، وإن كانت هذه حقاً فكنت فى الأولى على ضلال ، فوجمت نفوس بعض المؤمنين ، وأشفقوا على من مات قبل التحويل من صلاتهم السالفة ، فنزل قوله تعالى :
﴿ ومَا كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُم ﴾ : قال ابن عباس وغيره ، وذكره البخارى ومسلم ، وروى أن حيى بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين : أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس ، إن كانت على هدى فقد تحولتم عنه ، وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها من مدة ، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة .