110
الجزء ٣ · صفحة ٢١٧« أمتى أمة مرحومة ليس عليها عذاب فى الآخرة ، وعذابها فى الدنيا الفتن والزلازل والقتل » يعنى أن مؤمنى أمته لا عذاب عليهم فى فى الآخرة ، وكفارة ذنوبهم ما يصيبهم فى الدنيا من الفتن والزلازل والقتل ، لا مسخ ، ولا قذف ، ولا خسف ، ولا تصيب الثلاثة أيضاً سائر أمته منافقيها ومشركيها .
وقال رسول الله A : « أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة ، وأربعون من سائر الأمم » وعن ابن عمر ، عن رسول الله ، A : « باب أمتى الذين يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المسرع المجد ثلاثا ، ثم إنهم يزدحمون عليه تكاد مناكبهم تزول وهم شركاء الناس فى سائر الأبواب » وعن ابى سعيد الخدرى قال رسول الله ، A : « من أمتى من يشفع فى كثير من الناس ومنهم من يشفع فى القبيلة ، ومنهم من يشفع للعصبة ، ومنهم من يشفع للواحد » وقال سهل بن سعد قال رسول الله ، A : « ليدخلن الجنة من أمتى سبعون ألفاً ، أو سبعمائة ألف سماطين ، يأخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة ، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر » وقال أبة أمامة سمعت رسول الله ، A يقول : « وعدنى ربى أن يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب ، ومع كل ألف سبعون ألف ، وثلاث حفنات من حفنات ربى » وحفنة الله : مقدار معلوم عند الله تبارك وتعالى ، وقال A : « حرمت الجنة على الأنبياء كلهم حتى أدخلها ، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتى » وجملة أخرجت للناس : نعت أمة ، أى أظهرت للناس تميزت لهم فعرفوها ، أو أخرجت من اناس ، وقيل : ﴿ للناس ﴾ يتعلق ب ﴿ كنتم ﴾ ، أى كنتم للناس خير أمة أخرجت ، كما قال أبو هريرة فى تفسير الآية : خير الناس للناس ، يأتون بهم فى السلاسل فى أعناقهم حتى يدخلوا فى الإسلام .
﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ﴾ بيان لعلة كونهم خير أمة ، أى لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ، فجملة ﴿ تأمرون ﴾ مستأنفة لبيان علة ذلك ، لأن الأمر والنهى والإيمان بالله ولو كان أيضاً فى غير هذه الأمة ، لأن ذلك فى هذه الأمة أقوى وأخلص ، لأن ذلك الأمر والنهى يكون بما دون القتل من كلام وضرب وحبيس وبالقتال ، والقتال ولو كتن فى غير هذه الأمة لكنه فى هذه أقوى . وإيمان هذه الأمة بالإدراك للدليل لا بالتقليد ، فى الكثير لا القليل ، ويجوز كون ﴿ تأمرون ﴾ خبراً ثانياً ل ﴿ كنتم ﴾ ، أو حلال من التاء فى ﴿ كنتم ﴾ ، وإنما أخر ذكر الإيمان عن ذكر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع أنه أعظم ، ليدل بتأخيره على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله وتصديقاً به ، وإظهاراً لدينه لا بع المأمور أو المنهى ، ولا لحبه فى غير الله ، ولا لجلب نفع دنيوى ، ودفع ضر دنيوى ، أو المراد بالإيمان بالله الإيمان به تعالى من كل وجه ، من وجه وجوده ، وكمال قدرته ، وتنزهه عن صفات الخلق ، ووجه إرساله وإنزاله الرسل ، والكتاب الحساب ، والعقاب ، والثواب ، وبعث الأجساد والأوراح لا الأرواح فقط ، لا كإيمان اليهود والنصارى ، يؤمنون ببعض ، ويكفرون ببعض ، وتقول النصارى : ببعث الأرواح فقط ، وقالت اليهود : عزيز ابن الله - تعالى الله - وقالت النصارى المسيح ابن الله ، وقالت جماعة منهم : ثالث ثلاثة ، إن الله هو المسيح ، ودلت الآية على أن الإجماع حجة ، لأنها تقتضى أنهم آمرون بكل معروف ، وناهون عن كل منكر ، لأن « أل » فيها للاستغراق فلو أجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك ، ذكره القاضى .