188
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٤﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ : مفعوله الثانى محذوف ، أى لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة ، اى ثابتين بمفازة ، دل عليه قوله : بمفازة من قوله تعالى :
﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ﴾ : فمفازة مفعول ثان لتحسب الثانى ، أو لا تحسبنهم تأكيد للاتحسبن الذين ، وبمفازة : « مفعول ثان للاتحسبن الذين ، وقرئ كما مر ، تحسب الأول ، والثانى بالتحتية فيكون ﴿ الذين ﴾ فاعل يحسب الأول ، ومفعولاه محذوفان ، أى : ﴿ لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ أنفسهم بمفازة من العذاب ، ويحسب الثانى مضموم الباء وفاعله ضمي الذين المحذوف ، لالتقاء الساكنين وهو الواو مفعوله الأول ، وهو عائد أيضاً إلى الذين ، وبمفازة مفعوله الثانى ، اى : لا يحسبن انفسهم بمفازة من العذاب ، والجملة الثانية تأكيد للأولى ، فقد يستدل به على جواز قرن التوكيد الجملى بالفاء ، والقارئون هنا بالتاء ، أو الباء هم القارئون هنالك والخطاب لرسول الله A . وقرئ : لا تحسبن الذين بالخطاب وضم الموحدةن فيكون الخطاب لرسول الله A ، وللمؤمنين على حذف واو الجماعة ، وكذا تحسب الثانى والمفعولان على حد ما مر ، ومعنى قوله : ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا من التدليس وكتم الحق ، ومعنى ﴿ بما لم يفعلوا ﴾ : بالوفاء بالميثاق وإظهار الحق ، والإخبار بالصدق اللاتى لم يفعلوها ، وزعموا أنهم فعلوها اى : لا تحسبن هؤلاء فائزين من العذاب ، أى ناجين منه ، والمفازة : مصدر ميمى ، أى فى نجاة أو اسم مكان ، على خلاف القياس بالتاء فيه ، أى فى أرض فوز أو جهة فوز ، اى فى موضع نجاة من العذاب .
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ : يكفرهم وتدليهم . قال الحسنك دخلوا على رسول الله ، A ، فدعاهم إلى الإسلام فاصروا على دينهم ، فخرجوا إلى الناس ، فقالوا لهم ما صنعتم مع محمد؟ فقالوا : آمنا به ووافقناه فأنزل الله تعالى ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ ﴾ اى فرحوا بما فى أيديهم حين لم يوافقوا محمداً ، ويحبون ان يحمدوا ، بأنهم آمنوا ووافقوا ، وقال الكلبى : نحن أهل الكتاب الأول ، وأهل العلم ، وأهل الصلاة ، وأهل الزكاة ، ولم يكونوا كذلك أحبوا أن يحمدهم الناس بما لم يفعلوا . وعن مجاهد : يفرحون بما أتوا من تبديل التوراة حرفوها عن مواضعها ، ففرحوا بذلك وأخبوا أن يحمدوا لما لم يفعلوا ، أى أن يحمدوا على أن عندهم بذلك علماً ، وليس لهم علم بما حرفوا ، إنما ابتدعوه من قبل أنفسهم . وروى أن يهود خيبر أتوا نبى الله فزعموا أنهم راضون بالذى جاء به ، وأنهم يبايعونه ، وهم مستمسكون بضلالتهم ، وارادوا أن يحمدهم نبى الله بأمر لم يفعلوه ، وروى أنه A ، سأل اليهود عن شىء مما فى التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيها ، وأروه أنهم قد صدقواه ، أى أروه أنهم قد اخبروه بصدق وفرحوا بذلك ، وهم لم يفعلوا الإخبار بالصد ، ونزلت فى ذلك .