193
الجزء ٣ · صفحة ٣٦٣﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ ﴾ : يقدر مضاف ، أى سمعنا نداء مناد وهو صوته ، أو سمعنا صوت منادن أو كلام مناد ، وذلك أنه إنما تسمع الأصوات لا جسم المتكلم ، ولكن حذف ذلك تأكيداً حتى كان جسم الإنسا المنادى دخل أسماعهم ، كما يدخلها الصوت ، وجملة ينادى نعت لمنادياً ، على قول مجيز نعت الوص أو نعت لموصوف محذوف أو حال منه ، أى : إنساناً منادياً يمادى للإيمان ، وهذا الجملة تكون نعتاً لنكرة أو حال من معرفة أو من نكرة مسوغة بعد لفظ « س م ع » عند الجمهور . ومفعولا ثانياً عند الفارسى ، وعليه فينادى مفعول لسمع ، وأكد أمر المنادى بتنكيره ، كأنه قيل : منادياً عظيماً ، وبوصفه بجملة ينادى وبتقيده بالإيمان بعد إطلاق ، وذلك أنه يتبادر من المنادى أنه المنادى للحرب وأنه لإطفاء نار أو إغاثة لهفان مثلا فى الجملة ، فإذا قيد بالإيمان ، فقد رفع شأنه والمنادى رسول الله A لأنه الذى يدعو الخلق حقيقة ، قال الله جل وعلا له : ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ﴾ وقال : ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ وذلك قول الجمهور وابن عباس وابن وابن جريح وغيره ، وقال محمد بن كعب القرظى : المنادى كتاب الله وليسوا كلهم رأوا النبى A وسمعوه وإسناد النداء إلى القرآن ولو كان مجازاً ، لكنه من المجاز المشهور المتعارف ، فشملت الآية من ذلك صفته ، ممن مضى أو يأتى وعدى النداء باللام لأنها دلت على الانتهاء والاختصاص فذلك فى معنى ﴿ إلى ﴾ فلا حاجة إلى ان يقال إن اللام مستعملة بمعنى ﴿ إلى ﴾ فلذا يتعدى النداء ، والدعاء والعود والإيحاء والهداية باللام ، وبالى وذل أنلك إذا قلت مثلا : دعوت الناس للخير ، فكأنك قلت : دعوتهم ليتناوله ، وإنما يتناول الشىء من انتهى إليه ، ووصل إليه .
﴿ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ : أن حرف تفسير لتقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه ، وهى ينادى أو مصدرية ، على إجازة دخولها على الطلب ، وعليه فتقدر الباء أى بأن آمنوا .
﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ : أى فامتثلنا يا ربنا ، قال أبو الدرداء ، رحم الله المؤمنين ، ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم ، وكذا عن الحسن ولعله روى عنه : يجوز أن يكون قوله ﴿ ربنا ﴾ مسلطاً على قوله :
﴿ فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ ﴾ لأن ﴿ ربنا ﴾ جملة إذ معناه : ادعوا ربنا ، لإنشاء الدعاء ، فيكون من تقديم جملة أصلها التأخير للابتهال باسم الله والتلذذ به ، فقس على هذا ، أو مسلطاً على محذوف ، أى : افعل لنا ذلك فاغفر لنا وإذا سلط على ﴿ فاغفر ﴾ إلخ فقوله :