هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

185

الجزء ٣ · صفحة ٣٥٠

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ : وبالموت تحضر الدار الآخرة ، فيعاقب المسىء فيها ، ويثاب المحسن ، فذلك وعيد للمكذب ، برسالة سيدنا محمد : A ، ووعد للمصدق ، وتسلية له ، A ، وكذا ما بعده ، إلى قوله ﴿ متاع الغرور ﴾ وقرأ البرى : ﴿ ذَآئِقَةُ الْمَوْت ﴾ بتنوين ذائقة ، ونصب الموت على المفعولية ، وقرأ الأعمش بعدم تنوين ذائقة ونصب الموت ، على المفعولية ، وهذا من حذف التنوين للساكن بعده ، أو تخفيفاً كقراءة أحد لله بحذف تنوين احد ، ولا يقال على ذلك إلا ضرورة . كقول أبى اسود :

فذكّرته ثم عاتبته

عتاباً رقيقاً وقولا جميلا

فألفيته غير مستعتب

ولا ذاكرا للهَ إلا قليلا

بنصب لفظ الجلالة بذاكرن وعدم تنوين ذاكر ، وعلى تقدير ان الجنة تموت عند قيام الساعة وتبعث كالملائكة ، وقيلك لا تموت وإنما المستثناة فى قوله تعالى ﴿ فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ﴾ ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ : يحضر لكم جزاء أعمالكم كاملا يوم القيامة منقبروهم قبلهُ ، جزاء المطيع خير ، وجزاء العاصى شر لا ينقص منه شىء ، وما اصاب المطيع من الخير فى الدنيا تفضل من الله ، وما أصاب العاصى فيها عدل لا ينقص له من النار ، وقيل : المعنى جزاؤكم يتم فى الآخرة بعد بعضه الذى تقدم فى الدنيا ، أو فى القبر ، كقوله A : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار » ، وكما مرَّ فى حياة الشهداء ورزقهم .

﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾ : أبعد عنها واصله زحح بتشديد الحاء الأولى ، أبدلت الحاء الوسطى زاياً على ما بسطه فى شرح اللامية فى نحو : وسوس ولملم ، والتشديد للمبالغة ، وأصل هذا زحَّ بحاء واحدة ، مشددة . يقال : زحه : جذبهُ بعجلة .

﴿ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ : ظفر بمراده ، ومرغوبه ، وناله ، قال A : « من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وتؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » أى وليوصل إليهم ما يحب أن يوصلوا إليه .

﴿ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ : اى وما تمتع حباتكم القصيرة القريبة الزوال إلا انتفاع الخداع الذى يفعله الشيطان وإخوانه بكم ، يخدكم بها عن الحياة الدائمة المعتبرة ، فيقدر المضاف قبل الحياة ومتاع اسم مصدر ميمى بمعنى التمتع كما رأيت . ويجوز أن يكون متاع بمعنى الشىء المتمتع به ، الذى يعرض للبيع فيغش مشتريه بإظهار زينته وإخفاء قبحه ، شبه الحياة الدنيا ، وما يتمتع به فيها بذلك المتاع المعروض ، للبيع المغشوش ، لكن السعيد لم يغتر بها ، بل جعلها مطية لآخرته ، والغرور : مصدر ، كما رأيت ، أو جمع غار كقاعد وقعود ، وشاهد وشهود ، وساجد وسجود ، وأصل الغرور : الذى هو مصدر هو معنى الغفلة ، يقال : رجل غر وغرير أى لم يجرب الأمور ، وعنه ، A ، « موضع سوط فى الجنة ، خير من الدنيا وما فيها » اقرءوا إن شئتم ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّار وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور ﴾ .

١٬٣٥٠ / ٧٬٦٨٠