200
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٢﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ ﴾ : على أمتثال الفرائض واجتناب المعاصى ، وعلى المصائب .
﴿ وَصَابِرُواْ ﴾ : أعداءكم فى الدين ، أى اتهدوا أن تكونوا أصبر منهم فى الجهاد ، ولا تكونوا مثلهم ، ولا أقل ، لأنكم ترجون رضى الله ، أو صابروا الشيطان والهوى ، والوسوسة والنفس ، لأنه يأتى بمجهوده فى الإغواء ، وذلك من عطف الخاص على العام ، لأن الصابرة لهن أقوى . وقيل : صابروا وعد الله فى النصر ، أى لا تسأموا وانتظروا الفرج ، قال A « وانتظار الفرج بالصبر عبادة » قاله محمد بن كعب القرظى ، وذلك لأن النصر لما كان يكون بعد حين ، كان لمشقة بعده ، كأن مفاعل لهم ، وقيل : اصبروا على تلاوة القرآن ، وقيل : اصبروا على الجهاد ، وصابروا عليه ، وقال الكلبى : اصبروا على البلاء ، والمصابرة : تحملك المكاره التى بينك وبين غيرك ، والصبر : ترك الشكوى وقبول القضاء وصدق الرضى .
﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ : أبدانكم وخيولكم فى ثغور العدو مترصدين للغزو ، وأنفسكم على الطاعة . قال الله تعالى : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ﴾ وعن النبى A : « من رابط يوماً وليلة فى سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه ، لا يفطر ولا ينتفل عن صلاته إلا لحاجة » وقال الكلبى : صابروا عدوكم ورابطوهم . وعليه الجمهور . أى رابطوا الجبل للغزو ، واجتهدوا حتى تكنوا أكث منهم خيلا ، قال سلمان : سمعت النبى A يقول « رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله الذى كان يعمله وأجرىعليه رزقه وأمن الفتَّان وهو ملك القبر » وعن فضالة بن عبيد : سمعت النبى A يقول : « كل ميت يختم على عمله إلا الذى مات مرابطاً فى سبيل الله فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة ، ويأمن فتنة القبر » وفى رواية « ويؤمن من فتانى القبر » ، وعنه A « من مات مرابطاً فى سبيل الله أجرى الله أجر عمله الصالح الذى كان يعمل وأجرى عليه رزقه ، ويؤمن الفتان ، ويبعثه الله آمناً من الفزع » وعنه A « رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها » ، وعن أبى بن كعب عن النبى A « لرباط يوم فى سبيل الله من وارى عورة المسملين محتسباً من غير شهر رمضان ، أعظم أجراً من عبادة مائة سنة ، صيامها وقيامها ، ورباط يوم فى رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة من عبادة ألفى سنة ، صيامها ، وقيامها » والرباط ملازمة لثغر فى سبيل الله ، وأصلها من ربط الفرس اتخذه ثم سمى كل ملازم لثغر للجهاد مرابطاً ، ولو لم يكن معه فرس ولا له مال ، رباط : فعال لغير المفاعلة ، أى اربطوا الخيل ، أى اتخذوها للجهاد ، فهو لموافقة المجرد ، وقيل : للمفاعلة - كما مر - فى قول إن معناه : رابطوا الكفار ، أى : كونوا أكثر خيلاً منهم للجهاد فى سبيل الله تعالى ، وقال أبو حيان : معناه دوموا واثبتوا ، كما مر مثله آنفاً .