هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

195

الجزء ٣ · صفحة ٣٦٦

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾ : وروى عنه أنه قيل له : كيف ذلك؟ فقال : اقرءوا : ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ﴾ إلى قوله ﴿ أنك لا تخلف الميعاد ﴾ أى أعطاهم مسئولهم بسبب دعائهم ، كما دلت عليه الفناء ، ومعنى استجاب حصل المطلوب ، ومعنى أجاب : أعطى الجواب بلا أو بنعم ، فهو أعم من استجاب ، و ﴿ أنى ﴾ على تقدير الباء ، أى فاستجاب لهم ربهم بأنى لا أضيع وقرئ بكسر الهمزة على تقدير القول ، أى فاستجاب لهم ربهم قائلا : إنى لا أضيع ، أو على تضمين استجاب معنى قال ، فتحكى الجملة باستجاب وقرئ : لا أضيع فتح الضاد اكسر الياء المشددة ، والمعنى : لا أحبط عمل عامل منكم ، أى عامل كان إذ عمل لى ذكراً كان أو أنثى ، وقالت أم سلمة رضى الله عنها قالت : يا رسول الله اسمع الله يذكر الرجا فى الهجرة ولا يذكر الناس « . فنزل قوله تعالى :

﴿ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللَّهِ ﴾ مقتضى الظاهر من عندى فعدل عنه إلى الغيبة .

﴿ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ : وقرئ أى لا أضيع بكسر همزه إن - كما مر - أما على الاستئناف فيكون أول ما نزل فى شأن مقال أم سلمة المذكور ، وآخره حسن المآدب وأما على تقدير القول ، أى قائلا : إنى لا أضيع ، فيكون أول ما نزل فى شأن مقالها ، بعضكم من بعض ، ومعنى ﴿ بَعْضُكُم مِّن بَعْض ﴾ أن الذكر مأخوذاً وثابت من الأنثى ، والأنثى مأخوذة أو ثابتة من الذكر ، وهذه الجملة معترضة بين ﴿ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ ﴾ بكسر ﴿ إن ﴾ على الاستئناف ، وبين ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ إذ كانا كلاهما فى شأن مقالها ، أو بين عمل عامل وما فصل به عمل العامل من قوله : ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ ولو فتحت همزة إن ، أو هو بمعنى الكاف ، أى بعضكم كبعض ، يقال فلان منى ، ى مثلى فى سيرية ، يبالغ فى التشبيه لشدة الاتصال ، أو للاجتماع حتى كأنه بعضه وما صدق هذه الأقوال المساواة بين الكر والأنثى فى الإثابة على العمل والتناصر فى الدين . قالت عائشة للنبى A : هل على النساء جهاد؟ قال : » نعم . جهاد لا قتل فيه الحج والعمرة « .

و ﴿ الذين ﴾ : مبتدأ خبره القسم المحذوف ، وجوابه المذكور بقوله تعالى ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُم ﴾ مانع الإخبار بالإنشاء يقدر القول ، أى مقول فيهم ، أو أقول فيهم : والله لأكفرن ، والقول خبر ، والظاهر أن التشائية القسم لا تمنع الخبر لأن محط القسم جوابه وهو إخبار والقسم قبله ، كفضلة مؤكدة والمعنى : هاجروا الشرك أو الأوطان والعشائر بالخروج إلى المدينة أو إلى الجبشة ثم إلى المدينة ، لما استقر A فيها حرصاً على دين الله لئلا يفوتهم بالشرك ، أو بلزوم الوطن والعشيرة ، وأخرجوا معى من ديارهم أخرجهم المشركون ، والإخراج قسمان : الأول أن يضيق على الإنسان بمنع من يكلمه أو يجالسه أو ينفعه أو يقصد بالضرب والقتل ، أو أكل المال ونحو ذلك فيخرج ، والثانى أن يقهر على الخروج ، ومعنى ﴿ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي ﴾ ضرهم المشركون فى دينى ، أو لأجل دينى ، اى لإسلامهم .

١٬٣٦٦ / ٧٬٦٨٠