66
الجزء ٥ · صفحة ٤١٤﴿ الآنَ خَفَّفَ اللهُ عنْكُم ﴾ بإزالة تلك المشقة التى هى ثبات الواحد للعشرة ﴿ وعَلم أنَّ فيكُم ضَعفاً ﴾ أى ظهر فى الخارج أن فيكم ضعفا ، فعبر عن الظهور فى الخارج بالعلم ، لأنه لازم للظهور ومعيب له فى الجملة ، وإلا فالله عالم بالأشياء فى الأزل ، قبل أن تكون ، أو الواو للحال ، أى وقد علم أن فيكم ضعفا ، فالعلم على بابه ، والضعف ضعف البدن ، وقيل : ضعف البصيرة لا ضعف قلة ، لأنه إنما خفف عنهم حين شق عليهم مقاومة الواحد العشرة وهم كثير حين التخفيف لا قليل ، وكان بعضهم أضعف من بعض فى البدن ، وبعض أضعف من بعض فى البصيرة ، وبعض أضعف فيهما .
ولو قيل : المراد بالضعف ضعف البدن والبصيرة لجاز ، وقرأ عاصم ، وحمزة ، وشيبة ، وطلحة بفتح الضاد ، وهما لغتان ، والضم لغة الحجاز ، والفتح لغة تميم ، وكذلك اختلاف القراء فى الروم ، وقرأ عيسى بن عمرو ضعفا بضم الضاد والعين ، والمعنى واحدا وثلاثة مصادر ، وقيل : الضم فى الجسم ، والفتح فى الرأى والعقل ، وعليه فيختلف معنى القراءات ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع : ضعفاء بضم الضاد وبفتح العين و الفاء مع المد جمع ضعيف ، وحكاها النقاش عن ابن عباس وبين التخفيف بقوله :
وإنْ تكُنْ مِنْكُم مائةٌ صابرةٌ } بالفوقية عند نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وإنما قرأ أبو عمرو ، وعاصم هنا تكن بفقية ، ويكن هناك بالتحتية نظرا إلى التأنيث فى صابرة ، والتذكير فى يغلبوا ، ولم يعتبر يغلبوا هنا لتأخره عن صابرة ، وقرأ الباقون بالتحتية ، وقرأ الأعرج بالفوقية فى المواضع الثلاثة ، ولم يقرأ بها أحد فى ﴿ وإن يكن منكم ألف ﴾ ﴿ يغلبوا مائتَيْن ﴾ منهم وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين منهم ﴿ بإذْنِ اللهِ واللهُ معَ الصَّابرينَ ﴾ بالنصر و العون ، والإشارة بذلك كإلى أن الواحد يثبت للاثنين ، ولا يحب عليه أن يثبت لثلاثة ، وإنما مثل هنالك بمثالين ، وهنا بمثالين ، مع أنه يكفى المثال الواحد هنالك ، والواحد هنا ، للدلالة على أن القليل والكثير واحد .
قال ابن جريج : كان عليهم أن يثبت الواحد للعشرة ، وكان رسول الله A بعث حمزة فى ثلاثين راكبا ، فلقوا أبا جهل فى ثلاثمائة راكب ، فثقل ذلك عليهم وضجوا منه ، ثم نسخ بمقاومة الاثنين بالواحد فقوله : ﴿ إن يكن منكم عشرون ﴾ إلى آخر منسوخ لقوله : ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ﴾ الخ ، ولا يشكل عليه أن الإخبار لا ينسخ لما مر أن قوله : ﴿ إن يكن منكم عشرون ﴾ الخ فى معنى الأمر ، وكذا ﴿ فإن تكن منكم مائة صابرة ﴾ الخ وكذا قال الحسن بالنسخ ، وذكر أنه ما مات رسول الله A حتى ظهر الإسلام وصار الجهاد تطوعا .
وكذا قال ابن عباس بالنسخ ، قال : لما نزل