63
الجزء ٥ · صفحة ٤١٠﴿ وألَّفَ بَيْن قُلُوبهِم ﴾ قلوب المؤمنين على الإطلاق ، وأزال حمئة العرب والعصبية التى تستعملها العرب فى أدنى شئ ، وكانوا يكاد لا يتألف فيهم قلبان ، وأزال ذلك منهم حتى صاروا كنفس واحدة ، وذلك إعانة للنبى A ومعجزة له ومن جملة ذلك ما كان بين الأوس والخزرج ، فزال ذلك بالإسلام ، وقد قال الأكثرون : إن المراد بالمؤمنين الأوس والخزرج ، وإن الآية فيهم ، ألف بينهم وصاروا أنصار الله ورسوله A ، وكانت بينهم أحقاد لا أمد لها ، ووقائع هلكت فيها سادتهم ، وتحاور يحيج الضغائن ، وأشعار تديم التحاسد والتنافس ، وعادة كل من الطائفتين أن تكره ما أحبته الأخرى وتنفر عنه ، فأنساهم الله ذلك ، وقال ابن مسعود : نزلت الآية فى المتحابين فى الله ، وقال مجاهد : إذا ترآى المتحابان فى الله فتصافحا وتضاحكا تحاتت خطاياهما ، فقال له عبدة بن أبى لبانة : إن هذا ليسير ، فقال : لا تقل ذلك ، فإن الله سبحانه يقول :
﴿ لَوْ أنفقْتَ ما فى الأرْض جَميعاً ما ألَّفْت بين قلُوبهم ولكنَّ اللهَ ألَّفَ بيْنَهم ﴾ قال عبدة : فعرفت أنه أفقه منى ، وعن سهل بن سعد ، عن رسول الله A : « المؤمن ما ألفه لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف » قالوا : من كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه ، وكانت الحرب بين لأوس والخزرج قبل مبعث النبى A بأربعين سنة ، يجتمعون فيقتلون فى كل عام ، كانوا يقتتلون فى حرب رجل يقال له شمير ، وكانوا عند مبعث النبى A فى حرب حاطب بن عبد الله مولى لهم ، وأنزل الله بينهم الترحم ، ووافقوا النبى A ، وسموا أنصارا ، وجعل بلدتهم دار هجرة ومتبوَّأ للإيمان ، وسماها المدينة بغير حضار عليها ، وأكرمهم بنبيه ، أقام فيهم عشر سنين ، وجعل مدفنه فيها .
وكان يوصى بالأنصار خيرا ويقول : « استوصوا بالأنصار خيرا اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ، فقد قضوا ما عليهم ، وبقى الذى لهم اللَّهم اغفر للأنصار ، وذرارى الأنصار » وقال للأنصار : « موعدكم الكوثر » قالوا : ما الكوثر يا رسول الله؟ قال : « نهر لى فى الجنة شرابه أبيض من اللبن ، وأبرد من الثلج ، وأحلى من العسل ، عليه غلمان مخلدون ، كعدد نجوم السماء ، معهم الأباريق لا يسقون إلا من أمرت ، فآويكم يومئذ كما آويتمونى فى الدنيا » قالوا : قد رضينا يا رسول الله ، فقال لهم : « يا معشر الأنصار لولا الهجرة لكنت امرئ منكم ، ولو سلك الناس واديا أو شِعْبا لسلكت واديكم وشعبكم »
ولم يقسم يوم حنين لهم شيئا ووجدوا من ذلك ، فقالوا : أعطى قريشا وآثر علينا إذا كانت الحرب صلينا بحرها وشدتها ، وإذا كانت الغنائم كانت لغيرنا أعطى قوما سيوفنا تقطر من دمائهم ، ادخلوا فساطيطكم فلا يؤثر رسول الله عليه وسلم إلا الحسن الجميل ، فقال رسول الله A وهو جالس فى ناس من قريش :