هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

3

الجزء ٥ · صفحة ٤٣٥

﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقال : أن الله برىء من المشركين ورسوله بالجر ، فقال الأعرابي : أو قد برىء الله من رسوله ، إن يكن الله بريئا من رسوله فأنا أبرأ منه .

فبلغ عمر مقالة الأعرابى فدعاه فقال : يا أعرابى أتبرأ من رسول الله A ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنى قدمت المدينة ولا علم لى بالقرآن فسألت من يقرئنى فأقرأنى هذا سورة براءة فقال : إن الله برىء من المشركين ورسولِهِ ، فقلت : أو قد برىء الله من رسوله ، إن يكن الله برىء منه فأنا منه برىء ، فقال عمر : ليس هكذا يا أعرابى قال ، فكيف هى يا أمير المؤمنين؟ فقال : ﴿ أن الله برىء من المشركين ورسولُهُ ﴾ فقال الأعرابى : وأنا والله أبرأ ممن برىء الله ورسوله منه ، فأمر عمر بن الخطاب أن لا يقرأ القرآن إلا على عالم باللغة ، وأمر أبا الأسود فوضع علم النحو .

وأخرج ابن الأنبارى فى أماليه ، من طريق محمد بن خالد المهلبى ، عن أبيه قال : سمع أبو الأسود رجلا يقرأ أن الله برىء من المشركين ورسوله بالجر ، فقال : لا أظنننى يسعنى إلا أن أضع شيئا أصلح به لحن هذا ، وأخرج من طريق العتبى أن معاوية كتب إلى زيادة يطلب عبيد الله ابنه ، فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن ، فرده إلى زياد وكتب إليه يلومه ويقول : أمثل عبيد الله يضيع ، فبعثه زيادة إلى أبى الأسود فقال له : يا أبا الأسود إن هذه العجمة قد كثرت وأفسدت من لسان العرب ، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس ألسنتهم ، ويعرفون به كتاب الله ، فأبى ذلك أبو الأسود ، فوجه زياد رجلا وقال له : اقعد فى طريق أبى الأسود ، فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن ، فلما مر أبو الأسود رفع الرجل صوته يقرأ : أن الله برىء من المشركين ورسوله بالجر ، فاستعظم ذلك أبو الأسود ، فقال : عز وجه الله أن يتبرأ من رسوله ، ثم رجع من فوره إلى زياد وقال له : أجبتك إلى ما سألت ، والبراءة الأولى إبطال للعهد ، وهذه نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعد .

﴿ فإنْ تُبْتُم ﴾ عن الكفر والغدر ﴿ فَهو خَيرٌ لكُم ﴾ أى فالتوب خير لكم ، أو فالمتاب خير لكم ، وليس كما قيل : إن مصدر تاب توبة دون توب ، وإنه لا يقال فى مصدره : توب إلا فى الضرورة بحذف التاء للضرورة ، بل يقال فى السعة : توبة وتوب ، ومتاب ومتابة ، قال الله سبحانه ، ﴿ وقابل التوب ﴾ ﴿ وإنْ تولَّيتُم ﴾ أعرضتم عن التوبة فلم تتوبوا ، أو عن الإسلام والوفاء به بعد التوبة ﴿ فاعْلَموا أنَّكم غَيرُ مُعْجزى اللهَ ﴾ غير فائتين عذابه وأخذه ، وهذا وعيد يقع عليهم فى الدنيا ﴿ وبشِّر الَّذينَ كَفرُوا بعَذابٍ أليمٍ ﴾ فى الآخرة ، ولفظ التبشير استهزاء بهم .

٢٬٤٣٥ / ٧٬٦٨٠