هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

36

الجزء ٥ · صفحة ٤٩٥

﴿ ذَلكَ ﴾ أى تحريم الأشهر الأربعة ﴿ الدِّينُ القيِّمُ ﴾ دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام المستقيم ، وقال ابن عباس : القضاء المستقيم ، وقيل : الحكم الثابت الذى لا يزول ، وقيل : الحساب المستقيم ، وقد فسر بعضهم دان بمعنى حاسب فى حديث : « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » والإشارة فى هذا القول إلى عدد الاثنى عشر شهرا .

﴿ فَلا تظْلمُوا فيهنَّ ﴾ فى هذه الأربعة ﴿ أنفُسَكم ﴾ بارتكاب المعاصى ، فإن الوزر فيها أعظم كالوزر فى الحرم ، ولو كان الوزر محرما فى كل وقت ، وكل زمان ، وذلك على قول الجمهور ، وعطاء الخراسانى ، وأما على قول عطاء بن أبى رباح ، فالظلم القتال ، وكان يرى القتال فيهن حراما ، وقال ابن إسحاق : لا تظلموا فيهن أنفسكم باستحلالها ، وتحريم غيرها بالنسىء كما تفعل الجاهلية .

قيل : سبب تعظيم بعض الأشهر ، وبعض الأماكن : أن يتدرب الإنسان المجبول النفس على المعصية إلى ترك المعصية فيما سواها ، وقيل : الضمير عائد إلى الاثنى عشر ، أى خلقت الأزمنة كلها للطاعة ، فلا تعصوا الله فيها ، والجمهور وقتادة على أن الضمير للأربعة ، ويؤيده المجىء به بصورة الجمع المؤنث ، لأن الأربعة لم تبلغ عدد جمع الكثرة ، وهى لغير العاقل ، فكان الأفصح الجمع ، وإذا رد على الاثنى عشر كان بدون ذلك فى الفصاحة ، لأن الاثنى عشر بلغ عدد جمع الكثرة لغير العاقل ، فكان الأفصح الإفراد والتأنيث ، بأن يقال فيها ، وجمع الكثرة أحد عشرة ، وقيل عشرة فصاعدا .

﴿ وقَاتِلُوا المشْرِكينَ كافَّة كَما يُقاتلونَكُم كافَّة ﴾ قاتلوهم وأنتم مجتمعون عليهم ، كما يقاتلونكم وهم مجتمعون عليكم ، فكافة حال من الفاعل فى الموضعين ، أو قاتلوهم ولا تتركوا منهم أحدا كما يقاتلونكم ، ولا يتركون منكم أحدا ، فكأنه حال من مفعول وهو مصدر بوزن اسم الفاعل وقع حالا ، وذلك أن الجميع مكفوف عن الزيادة ، ويجوز أن يكون حالا من الفاعل والمفعول معا ، ويجوز أن يكون اسم فاعل ، أى جماعة كافة ، أى تكف من عارضها ، وقيل : يكف بعضها بعضا عن التخلف وهو ضعيف ، قال بعضهم : المراد قاتلوا المشركين فى الأشهر الأربعة ، وأخرى أن تقاتلوهم فى غيرها .

قال بعضهم : كان الغرض بهذه الآية متوجها على الأعيان ، ثم نسخ وجعل فرض كفاية ، قال بعض : إن هذا ضعيف ، وإنه لم يعلم قط من شرع النبى A أنه ألزم الأمة جميعا النفر ، وإن المراد بالآية الحض على قتال المشركين والتحزب عليهم .

﴿ واعْلَموا أنَّ اللهَ مَعَ المتَّقينَ ﴾ أمرهم بعلم أن الله مع المتقين بالنصر والعون بعد أمرهم بالقتال بشارة ، ووعد بالغلبة بسبب التقوى ، وحظا على القتال والتقوى .

٢٬٤٩٥ / ٧٬٦٨٠