هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

19

الجزء ٦ · صفحة ١٦٠

﴿ وجَاءتْ سيَّارةٌ ﴾ رفقه من الأعراب يسيرون من مدين إلى مصر ، وقيل مسافرون من مدين إلى مصر ، فأخطئوا الطريق ، ونزلوا قريبا من الجب ، وكال فى قفره بعيدة من العمران ، لم يكن ألا للرعاة ، وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقى فيه يوسف ، وقد مر غير ذلك : وقيل : إن ذلك فى اليوم الذى ألقى فيه كما مر ، وقيل فى الثانى .

﴿ فأرْسَلوا ﴾ حين نزلوا ، وقيل : قبل النزول ﴿ وَارِدَهُم ﴾ الذى يرد الماء ليستقى لهم ، والمشهور أنه الذى يتقدم الرفقة للماء ، ويطلق على الواحد والجمع ، وهو هنا رجل من أهل مدين ، وقيل : من أعرابها يسمى مالك بن ذعر الخزاعى ، وقيل : الوارد الرسول ، لأنه يرد الموضع الذى أرسل إليه : قيل : المعنى فأرسوا رسولهم .

﴿ فأدْلَى ﴾ أنزل فى الجب ﴿ دَلْوه ﴾ ليأخذ بها الماء ، فتعلق يوسف بالحبل ، فلما رآه إذا هو بغلام أحسن ما يكون ﴿ قالَ يا بُشْرَى ﴾ أى يا بشارتى هذا أوانك فاحضرى ، ونداءها مجاز بإضافة البشرى إلى نفسه ، وفتح الياء عند نافع ، وعنه يا بشرى بإسكانها بنية الوقف ، وكذا فتح الياء ، وأثبت الفاء قبلها غير حمزة والكسائى ، وقرأ ورش الراء بين إخلاص الفتح وإمالته ، وعامة أهل الأداء على إخلاص الفتح فى مذهب أبى عمرو ، وهو قول ابن مجاهد ، وبذلك ورد النص عنه من طريق السوسى ، عن اليزيدى وغيره .

وقرأ الحسن يا بشراى بقلب الألف ياءء وإغامها فى الياء ، وكذا قرأ غيره وهو لغة هذيل ، قال جار الله : سمعت أهل السرور ، وهو محلة حمير يقولون فى دعائهم : يا سيدى ويا مولاى ، وقرأ الكوفيون : يا بشى بألف التأنيث دون إضافة ، غلا أن حمزة والكسائى يميلون ، وذلك أيضاً نداء للبشرى ، أى احضرى فهذا أوانك بشارة لنفسه أو لقومه أو سيده وقيل : اسم صاحب له ناداه ليعينه على إخراجه ، وقيل : ذهب به لفما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم .

﴿ هَذا غلامٌ ﴾ ولما خرج بكى عليه الجب ، وفى رواية : أن مالك ابن ذعر كان يسكن بمصر ، فرأى فى منامه حال صغره كأنه فى أرض كنعان ، فنزلت الشمس من السماء فدخلت فى كمه ، ثم أخرجها فأقامها بين يديه ، فأتت سحابة بيضاء فنثرت عليه الدر وهو يلتقطه ويجمعه فى صندوق له ، فذهب إلى المعبر ليسمع تأويل رؤياه ، فقال له : لا أعبر لك إلا ببذلك وإحسان ، فقال المعبر : خذ دينارين وفسر لى رؤياى ، فقال له : تصيب عبدا وليس بعبد ، وتصيب به الغنى ، ويبقى الغنى فى أولادك إلى يوم القيامة ، وتنجوا من النار ببركته ، وتصير لك أولاد ، ويبقى اسمك وذكرك أبدا .

فانصرف وتجهز للسف طمعا فى أن يراه ، وقصد دمشق فاجتاز بأرض كنعان ، فبقى تارة ينظر إلى السماء ، وتارة ينظر إلى الأرض ، ينتظر ذلك ، فهتف به هاتف : هيهات بينك وبين ذلك خمسون سنة ، وكان يختلف إلى أرض الشام مرتين فى كل عام طمعا فى لقائه .

٢٬٦٦٠ / ٧٬٦٨٠