14
الجزء ٦ · صفحة ١٥١﴿ قالُوا لَئِنْ أكلهُ الذِّئبُ ﴾ أى والله لئن أكله الذئب ﴿ ونحْنُ ﴾ الواو للحال ﴿ عُصبةٌ إنَّ إذاً لخاسِرُونَ ﴾ عاجزون ضعفاء تعبير ، فإن الخسران فى المال مثلا يكون فى الجملة لعجز وضعف فى البدن ، أو فى النفس والعقل ، وجملة إنا الخ جواب القسم الموطأ له بلام لئن ، مغن عن جواب الشرط ، أو يقدر له مثله ، أو معنا خاسرون مغبونون فى أمره ، أو خاسرون فى مواشينا بأن لا نقدر على حفظها ، أو غادرون أو ضالون فى الدين ، أو مستحقون للموت ، إذ لا نفع فيهم إن كان ذلك ، أو مستحقون أن يدعو عليهم أبوهم بالهلاك والدمار .
وقالوا : يا نبى الله كيف يأكله الذئب وفينا شمعون إذا غضب لا يسكن غضبه حتى يصيح ، وإذا صاح لا سمعه حامل إلا وضعت ما فى بطنها ، وفينا يهودا إذا غضب شق السبع نصفين ، فلما سمع يعقوب ذلك اطمأن إليهم .
وأقبل يوسف حتى وقف بين يدى أبيه ثم قال : يا أبت أرسلنى معهم ، فإنى رأيت منهم اللطف والدين .
قال : أتحب ذلك يا بنى؟ قال : نعم . قال : فاذهب فإذا كان الغد أذنت لك ، فلماأًبح لبس ثيابه ، وشد على نفسه منطقه ، وأخذ قضيبه ، وخرج مع إخوته ، وعمد يعقوب إلى السلة التى يحمل فيها الزاد ، فجعل فيها زاد يوسف ، وخرج يشيعهم .
قالوا : يا نبى الله ارجع ، فقال : يا بنى أوصيكم بتقوى الله وبحبيى يوسف أسألكم بالله إن جاع فأطعموه ، وإن عطش فاسقوه ، وقوموا عليه ولا تخذلوه ، وكونوا متواصلين متراحمين .
قالوا : يا أبانا كلنا كذلك ، وهو أخونا كأحد منا ، بل له الفضل علينا .
قال : يا بنى يوسف حبيبى عندكم ، مع أنى أخاف أن أكون قد ضيعته ، ثم أقبل يوسف فالتزمه وضمه إلى صدره وقبله بين عينيه ، ثم قال : استودعتك الله رب العالمين وانصرف راجعا .
وكانت زينة بنت يعقوب أخت يوسف نائمة ، فرأت فى منامها كأن يوسف وقع بين ذئاب تنهشه فانتبهت فازعة مرعوبة ، ومضت إلى أبيها باكية وقالت له : ما فعلت بأخى يوسف؟ قال : أسلمته إلى إخوتك ، فمضت خلفه حتى لحقته ، فأمسكت بيوسف فقالت : لا أفارقه أبدا ، فقالوا لها : أرسليه ، فقالت : لا أفعل أنى لم أطق فراقه ، فقالوا لها : بالعشى نأتيك به ، ثم أقبل يوسف يقلب يديها ويقول لها : دعينى أسر مع إخوتى نرتع نلعب ، فتركته وجلست موضعها تشيعه بعينيها ، ودموعها تجرى ، ورجعت باكية حزينة على فراقة ، فقال لها يعقوب : لِمَ تبكين؟ فقال : ساعة أخرى تبكى أنت معى .
وروى عن رسول الله A : أنهم لما خلوا به فى البرية أظهروا له العداوة ، وجعلوا يضربونه ، وذكروا أنهم كانوا يحملونه بمرأى [ من ] يعقوب على أعناقهم ، ولما غابوا عنه ألقوه على الأرض ، وأظهروا له ما فى أنفسهم ، وجعلوا يضربونه إذا ضربه واحد استغاث بالآخر فيدفعه ويضربه ، وأخذوا ما زوده أبوه وأطعموه الكلاب ، وضربوه حتى كادوا يقتلونه ، وعطش عطشا شديدا فقال لهم : اسقونى درعة من ماء قبل أن تقتلونى فلم يسقوه .