هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

15

الجزء ٦ · صفحة ١٥٣

﴿ فلمَّا ذهبُوا بهِ وأجْمعُوا ﴾ اتفوا أو عزموا ﴿ أن يجْعَلوهُ فى غَيَابات الجُبِّ ﴾ فى تأويل المصدر معمول لأجمعوا ، على تقدير على ، أى اتفقوا أو عزموا على جعلهم إياه فى غيابات الجبِّ ، أو مفعلو به كقوله تعالى : ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ أى اعزموه : يقال : عزت الأمر ، وعزمت عليه ، وعزم الأمر بالرفع ، وفى غيابت القراءات السابقت وجوب لما محذوف ، أى فعلوا به من الأذى بأن طرحوا قميصه بعد ضربه وإنانته وإرادة قتله ، وأدلوه ثم ألقوه قبل الوصول ، وحذف للتهويل ، وهذا أولى من جعل الجواب أجمعوا وأوحينا ، وزيدت فيه الواو .

ولما أرادوا أن يلقوه فى الجب دلوه فيه ، وتعلق بشفيره ، وروى أنه تعلق بثيابنهم فنزوعها من يديه ، فتعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ، ونزعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه ردوا علىَّ قميصى أتسر به عورتى ، ويكون لى كفنا بعد مماتى ، وأطلقوا يدى أدفع بها عنى هوام البئر ، فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تأتيك ، تلبسك وتؤنسك ، وقيل : قال لهم تقية : لم أر شيئاً وقال ذلك بالمعرضة .

وإنما نزعوا قميصه ليخلطوه بالدم ، ويحتالوا به على أبيهم ، ولما بلغ نصف البئر قطعوا الحبل ليسقط فيموت ، فسقط ثم آوى إلى صخرة كانت فيها ، فيقام عليها ، وكان فى الجب ماء ، قيل : أخرج الله تعالى على وجه الماء صخرة ورفعها إلى يوسف فقعد عيلها ولم يسقط كما أرادوا ، فجعل يبكى ، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم ، فأجابهم فهموا أن يرضخوه ويقتلوه بحجارة أو صخرة ، فمنعهم يهودا وقال : قد أعطيتمونى موثقا لا تقتلونه : وقيل : إنما أدلوه فى دلو .

وروى أنه لما وصل قعرها قال : لهم يا إخوتاه أتدعونى فريدا ، ولما وصله أضاء له الجب ، وعذب ماؤه ، فكان يغنيه عن الطعام والشراب ، قاله الحسن ، وقيل : إنه أتاه الملك جبريل بسفرجلة من الجنة فأطعمه إياها بعد ما حل يديه ، وقيل : كان يهودا يأتيه بالطعام والشراب خفية عن إخوته ، وكان إبراهيم عليه السلام حين ألقى فى النار ، وجرد من ثيابه ، وقذف فى النار عريانا قد أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة ، ولما مات ورثه إسحاق ، ثم ورثه يعقوب ، وإنما توارثوه لأن ذلك ليس من مال الدنيا ، وقيل تعاطوه فى حياتهم ، ولما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص فى عودة تعلق على الإنسان ، وعلقها فى عنق يوسف خوفا عليه ، قيل : وكانت العوذة من فضة .

ولما ألقى فى البئر عريانا جاء جبريل بتلك السفرجلة المذكورة ، وأخرج ذلك القميص من العوذة ، وألبسه إياه ، وكان لا يلبسه صغير أو كبير إلا جاء على طوله ، وأنسه نهاره ، ولما أمسى نهض ليذهب فقال له : إذا خرجت عنى استوحشت ، فقال : إذا أصابك شئ تستوحشه فقال : يا صريخ المستصرخين ، ويا غياث المستغيثين ، ويا مفرج كرب المكربوبين ، قد ترى مكانى ، وتعرف حالى ، لا يخفى عليك شئ من امرى ، فلما دعا بذلك ، بعث الله سبحانه وتعالى إليه سبعين ملكا يحفون به ، ويؤنسونه فى الجب .

٢٬٦٥٣ / ٧٬٦٨٠