16
الجزء ٦ · صفحة ١٥٦﴿ وجَاءُوا أباهُم عشَاءً ﴾ وقت العشاء ليكونوا فى الظلمة ، أجرى على الاعتذار ، وقد قيل : لا تطلب الحاجة بالليل ، فإن المياه فى العينين ولا تعتذر بالنهار فتتلجلج بالاعتذار ، ولا تقدر على تمامه ، ذكر ذلك فى عرائس القرآن ، وقيل : العشاء آخر النهار ، وقرأ الحسن عشيا بتصغير عشى ، وقال ابن جنى : قرأ الحسن عشى بالضم والقصر جمع أعشى أى كالرجل الأعشى القليل البصر لبكائهم ، وهم على الأولين ظرف وعلى الثلاثة حال .
﴿ يَبْكُون ﴾ حال ، روى أنهم لما ألقوه فى الجب عمدوا إلى سخلة من الغنم فذبحوها ، ولطخوا بدمها قميص يوسف وشووها ، وأكلوا لحمها ، ثم رجعوا إلى يعقوب فوجدوه قاعدا على قارعة الطريق ينتظرهم متى يأتون بيوسف ، فلما دنوا منه صرخوا صرخة واحدة ، ورفعوا أصواتهم بالبكاء ، فعلم يعقوب أنهم قد أصيبوا بمصيبةن فلما رآهم اجتمعوا وتقدموا بين يديه ، وشقوا جيبوهم ، وبكوا ففزع وقال : ما بالكم يأتينى ، وأين يوسف؟ فقالوا : ما أخبرنا الله سبحانه ، وتعالى به إذ قال :
قالُوا يا أبانا } الخ وهذا قميصه ملطخ بدمه ، ولما سمع كلامهم خر مغشيا عليه إلى الصباح : وبكوا عليه جميعا فقالوا فيما بينهم : بئس ما فعلنا بيوسف ووالده ، وأى عذر لنا عند الله تعالى ، ولما ألفاق الفتف إليهم وقال : هكذا ظنى بكم ، بئس ما فعلتم وسولت لكم أنفسكم ، وروى أ ، ه سمع بكاءهم فخرج إليهم ، فلما رآهم قال : بالله سألتكم يا بنى هلا أصابكم شئ فى غنمكم؟ قالوا : لا ، قال : فما أصابكم وأين يوسف؟ فقالوا : يا أبانا الخ .
روى أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت ، فقال له الشعبى : وقيل : رجل سواه يا أبا أمية أما تراها تبكي؟ فقال : قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة ، ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة الرضية ، وأنشدوا :
واغرك من شيخ بكاء ومملقة … أم اللحية البيضاء للنطق مطلقه
فإن بنى يعقوب جاءوا أباهم … عشاء وهم يبكون زوراً ومخرقة
﴿ إنَّا ذَهبنا نَسْتبِقُ ﴾ على أرجلنا ليتبين أينا أسرع سعيا ، وأخف حركة ، قاله السدي، قلت : هو الصحيح، وقال مقاتل : نستبق إلى الصيد ، وقال ابن عباس : نتناضل ، أى نتعلم التضارب بالسيوف ، فالمعنى يتعاطى كل منا أن نتسابق ، وقيل : خبر ذهب إلى أنه بمعنى شرع ، فعمل ككان ، ونستبق نفتعل بمعنى نتفاعل كارتموا تراموا .
﴿ وتَرَكْنا يُوسفَ عنْدَ متَاعِنا ﴾ ثيابنا وما أتينا به من يفوت الآخر بالضرب : وقال الزجاج : ترامى فالمعنى يتعاطى كل أن يسبق الآخر بحسن الرمى ، أو أن تبعد رمية عن رمية الآخر ، وعلى الأول فالذهاب أول الاستباق من عند يوسف ، وعلى غيره ذهبوا إلى موضع غير الذى فيه يوسف والجملة حال مقدرة على تلك الأقوال من فاعل ذهب البلد من نحو طعام .
﴿ فأكلَه الذِّئبُ ﴾ بفغلتنا عنه بالاستباق ﴿ ومَا أنتَ بؤمنٍ لنَا ﴾ بمصدق لنا فى ذلك ﴿ ولَو كنَّا صادِقينَ ﴾ فيه ، أو لو كنا صادقين عندك فى الجملة قبل هذا ، أو لو كنا موصوفين بالصدق لشدة محبتك ليوسف وسوء ظنك بنا .