10
الجزء ٦ · صفحة ١٤٦﴿ قَالَ قائلٌ منْهُم ﴾ هو يهودا ، وكان أحسنهم فيه رأيا ، وأفضلهم وأعقلهم ، وهو القائل : ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ وذلك أنه متصل به سنا ، فكانت منه له شفقة وهو الصحيح ، وقال قتادة ، وابن إسحاق : هو روبيل وكان أكبرهم سنا ، وهو ابن خالة يوسف ، قال الشيخ هود : هو القائل : ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ وقال مجاهد : القائل : لا تقتلوا هو شمعون ، وكان أعظمهم شأنا .
﴿ لا تقْتلُوا يُوسفَ ﴾ فإن القتل عظيم ﴿ وألقوه ﴾ الفعل فعل أمر ﴿ فى غَيابَاتِ الجُبِّ ﴾ أى المواضع التى يغيب فيها عن أعين الناظرين فى الجب ، وذلك أن الجب كان واسع الأسفل ، فإذا ألقوه فيه سكن أى موضع شاء منه ، فإنما سمى قعر الجب غيابة ، لأنه يغيب ما فيه ، وقرأ غير نافع : فى غيابة بالإفراد ، وقرأ فى غير العشرة فى غيابات بالتشديد والجمع ، وقرأ الجحدرى : غيبة بالإفراد والتشديد وإسقاط الألف .
والجب البئر التى لم تطو ، سميت لأنها قطعت من الأرض مجرد قطع فقط ، دون طى ، قال قتادة : هو بئر فى بلاد بيت المقدس ، وقيل : بين مصر ومدين ، وقال وهب : فى أرض الأردن ، وكذا قال مقاتل ، وزاد إنها على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام ، قيل : هو فى وادٍ من أوديتها على قارعة الطريق ، ولا يرى إلا موشحا مظلما يهلك من طرح فيه لسعة أٍفله ، إذ لا يمكنه الصعود ، وكان صالحا ، وقيل : ألا يكون فيه ماء ، وكانت فيه حيات يهلكن من دخله ، وهو من حفر سام ابن نوح : يسمى جبّ الأحزان ، وكان معروفا يرد عليه كثير من المسافرين ، وقيل : حفرة شداد بن عاد .
﴿ يلْتقِطُه بَعضُ السَّيارةِ ﴾ جمع سيار ، وهو من يكثر السير بالطريق كذا قيل ، قلت : بل هو اسم جمع ، وذلك الالتقاط هو علة الأمر بالطرح فى غيابات الجب ، ولذلك جزم فى جوابه ، فإذا التقطه بعض السيارة ذهب به إلى ناحية فتسلموا من قتله ، وتستريحوا منه ، وقرأ الحسن البصرى : تلتقطه بالتاء بالمثناة أوله ، قال ابن هشام : أنث المضاف لتأنيث المضاف إليه ، وساغ ذلك لصلة الاستغناء بالمضاف إليه كما قال ، ونظر للمعنى فإن بعض السيارة سيارة والالتقاط الأخذ .
﴿ إنْ كُنتُم فاعِلينَ ﴾ التفريق بينه وبين أبيه ، أو إن كنتم فاعلين به ضرا ، أو إن كنتم عاملين بمشورتى ، وجواب إن محذوف دل عليه ألقوه ، أو لا تقتلوا وألقوه ، أى إن كنتم فاعلين للتفريق أو للضر ، أو بمشورتى فألقوه فى غيابات الجب ، أو فلا تقتلوه وألقوه الخ ، ويحتمل أن يكون قائل ذلك مشفقا عليه ، راحما له ، أى لا تفعلوا شيئا من تفريق وإضرار ، وإن كنتم فاعلين ولا بد فأقوه فى غيابت الجب .
وروى أن جماعة من الأعراب ألتقطوه وستأتى قصة التقاطه ، فلما أجمعوا على التفريق بين يوسف وأبيه ، توصل إليه بضرب من الجيل ، بأن يدخلوا على يعقوب ويكلموه فى إرسال يوسف معهم إلى البرية ، قال روبيل : إن أباكم لا يأمنكم على يوسف ، ولكن انطلقوا بنا إلى يوسف حتى نلعب بين ديه ، واذا رآنا كيف نلعب ونمرح فاشتاق إلى ذلك رضى بالخروج معنا ، فيطلب من أبينا ذلك .