56
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٧وعلم يوسف عند ذلك أن الله تبارك وتعالى كان يحفظها له ، وكتبها له فى الأزل ، فحمد الله وشكره ، وولدت له اثنى عشر ذكرا كلهم أنبياء مرسلون ، وفى رواية أخرى ، وهى التى سبقت فى حفظى : أن الله سبحانه وتعالى سلط على أموالها الفناء ، ومات العزيز ، وافتقرت افتقارا شديدا ، وذهب بصرها وصارت تتكفف الناس ، فقيل لها : لو تعرضت للملكَ لرحمك وأعانك بشئ يغنيك عن الناس ، ثم قيل لها : لا تفعلى فربما تذكر مافعلت به من المراودة والسجن ، فيعاقبك ، فقالت : هيهات أنا أعلم بحبيبى منكم ، وإن من خلقه الصفح .
ثم نهضت وجلست على ربوة فى طريقه ، وكان يركب يوما فى الجمعة ، وتركب معه العظماء والوزراء وأرباب دولته ، وتركب معه ألوف كمامر ، ولما أحست به نادت بأعلى صوتها : سبحان من جعل البيعد ملوكا بطاعتهم ، وجعل الملوك عبيدا بمعصيتهم ، فأمسك العنان ونظر إليها فقال : من أنت؟ قالت : أنا التى كنت أخدمك دهرى على خدى وقدمى ، وأرجِّل جمتك بيدى ، وأبذل فى خدمتك جهدى ، وكان منى ما كان ، وقد ذقت وباله ، ولقيت نكاله ، فذهب مالى ، وتغير حالى ، وصرت أسأل الناس ، فمنهم من يرحمنى ، ومنهم من لا يرحمنى ، وهذا جزاء المفسدين .
فبكى شفقة عليها ، ثم قال : هل بقى فى قلبك شئ مما كان؟ فقالت : : والله لنظرة منك أحب إلى من الدنيا وما فيها ، ثم قالت : ناولنى سوطك ، فناولها فوضعته على صدرها ، فوجد من طرف السوط فى يده ارتعادا فقالت : يا نبى الله هو كما ترى ، فجاوزها باكيا ، ثم بعث إليها رسولا يقول لها : يقول لك الملك : إن كنت أيما تزوجناك ، وإن كنت ذات بعل أغنياك . فقالت : إليك عنى يا عبد الله ، فإن الملك أعرف بالله من أن يستهزئ بى ، لم يلتفت إلى زمان شبابى وجمالى وغناى ، فكيف يلتفت إلىَّ الآن ، فأخبر يوسف بما قالت .
وتعرضت له فى الربوة فى الأسبوع الثانى ، ونادت كالنداء الأول ، فقال لها : ألم يبلغك رسولى ، وقال لك ما قال ، فما ترين؟ قالت : ألم أقل لك إن نظر إليك أحب إلىَّ من الدنيا وما يفها ، فأمر بحلمها إلى قصره ، وأحضر الشهود وتزوجها ، فلما زفت إليه ، وأجخلت عليه ، نظر إليها فزاد شفقة عليهان فصلى ودعا بالاسم الأعظم ، فرد الله عليها جمالها ، فكانت كهيئة يوم راودته ، فلما نظرت إليه دون رقيب دخل قلبها الوجيب ، ودلها لما رأته على السميع المجيب .
وقيل : بل رد الله عليها شبابها بعد وصول يعقوب ليوسف ، وارتداده بصيرا ، سارت إليه ووقفت بين يديه وقالت : أنت رئيس الصابرين ، وإمام المحزونين ، فتصدق على المحنة بقميص يزيل وصبها ، فأعطاها منه خيطا وهو القميص الذى كساه الله إبراهيم من الجنة ، حين ألقى فى النار ، فمرت به على وجهها وجسدها ، فرد الله بصرها وشبابها ، وتعرضت للصديق كهيئتها يوم راودته ، فدعاها إلى الإسلام فأسلمت ، فلما زفت إليه استأذنته أن تصلى لله صلاة تشكره على ما وهبها من نعمة ، فأذن لها فاستطابت حلاوة المناجاة ، فطال على يوسف انتظارها ، فدعاها إليه فلم تجبه ، فدعاها ثانية فمل تجبه فجبذها من خلفها ، فقد قميصها من دبر وواقعها ووجدها عذارء .
﴿ نُصيبُ بِرحْمتنَا مَنْ نَشاءُ ﴾ فى الدنيا والآخرة كالنبوة والتوفيق والملك والمال ﴿ ولا نُضيعُ أجْر المحْسِنينَ ﴾ بل نثيبهم عاجلا وآجلا ، وعن ابن عباس : المحسنون هنا الصابرون ، ومن إحسان يوسف الصبر وحب الضيف ، وكان لا يأكل إلا مع الضيف .