57
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٩يا بنى إذا حضرتم بين يديه فاثنوا عليه ، وإذا أمركم بالجلوس فقلفوا إلى أن يأمركم ، فإذا جلستم فلا تسبقوه بالكلام حتى يسألكم ، ولا تطيلوا عنده الجلوس لئلا يمقتكم ، وإن أذن لكم بالانصراف فلا تعطوه ظهوركم ، وإذا خرجتم من عند فلا تذكروا لأحد ما جرى بينكم وبينه ، وإن أفشى لكم سرا فلا تفشوه لغيركم ، فإن إفشاء سر الملوك صعب فأعدوا أهبة حسنة ، وأظهروا زيا بديعا .
وحملوا ما أمكنهم ولم يقصد مصر قوم أحسن حالا منهم ، ولا أبهى منظر ، ولكنهم ما دخلوا إلا شعثا لنفاد زادهم .
وكان يوسف قد اتخذ شريعة على ساحل البحر إلى الجبل من حديد ، عليه باب واحد لا يقدر أحد يعبر فيه ، ولا يجد سبيلا إليه إلا من ذلك الدرب ، وكان على الباب حاجبه ، ومعه مائة فارس ، وأمره أن لا يبيع إلا للغربا ، ولا يبع لواحد حتى يسأل عن اسمه واسم أبيه وبلده وأرضه وبضاعته ، وحتى يأذن له ، وأمر حاجبا آخر أن لا يبيع إلا لأهل مصر ، وكان أحدهما مصريا والآخر قبطيا ، وإذا ورد الغريب لحاجب الغرباء سأله وتركه واقفا ، وسار إلى يوسف فيفتح له البواب الباب ، فيقف عند الحجاب الأول ، فيبدى من الخضوع ما يبدى عند الملوك ، ويثنى ويقول : أيها الملك إنه ورد قوم من أرض كذا ، ويفهم ويسميهم فيهز الحجاب ، وكان هزه علامة للقبول ، ولم يكن ذلك تجبرا وتكبرا ، بل إرهابا للأعداء ، وحفظا عمن يريده بسوء ولو انبسط إليهم لازدروا به .
وإنما بعث الرسل لتجديد الشرائع ، وتسديد الذرائع ، وكان أشد الناس تاضعا ، وأمر بالسؤال للغريب أن يرعف بإخوته إذا وصلوا ، وكان جبريل عليه السلام قد أخبره بذلك حين رأى الرؤيا وخرجوا هم عشرةٌ ، أمسك يعقوب عليه السلام ولده بنيامين ، وهو أخو يوسف لام وأب يتسلى به ، ونفد الزاد قبل وصولهم بمرحلتين ، فظهر عليهم أثر الجوع وتثشعثوا ، ولما وصلوا سألوا الناس أين بائع الطعام؟ فدلوا عليه ، فجاءوه فسألوه البيع ، فقال : إنكم غرباء ، وليس أمر الغرباء بيدى ، ولكن انطلق إلى موضع كذا ، فإن فيه حاجتكم .
فجاءوا الذى يبيع الغربا فسألوه البيع فقال لهم : من أنتم؟ وما اسم بلديم؟ وما أسماؤكم ، وما قصدكم ، وقد أعجبته رائحتهم وصورهم وأجسامهم ، فقالوا له : لم تسأل؟ قال : لذلك جلست هنا . فقالوا له : نحن بنو يعقوب نبى الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله ، من الشام من أرض كنعان من بيت الأحزان ، قيل : وكان منزلهم بالقرب من فلسطين ، جئنا لحضرة الملك لنشترى الطعام ، وأسمانا كذا وكذا ، قال : وما بضاعتكم؟ قالوا : لا تسأل عن بضاعتنا ، ونكسوا رءوسهم ، فكتب بذلك كله إلى يوسف عليه السلام ، وأنهم فى غاية الجوع والنحول وتغير الألوان ، ومع ذلك هم أهل جمال وبهاء وفصاحة .