58
الجزء ٦ · صفحة ٢٤٢وكان حمل البعير بألف دينار ومائتى دينار ، والتفت لابنه ميشا وقال له : اشدد وسطك بالمنطقة الملكية واخدمهم ، قال : ومن هم يا أبت؟ قال هم أعمامك يا بنى ، قال : هم الذين باعوك؟ قال : نعم باعونى حتى صرت ملك مصر ، ما تقول يا بنى أحسنوا أم أساءوا فيما عملوا ، قال له : يا أبت بل أحسنوا والله فيما عملوا ، فماذا أقول لهم؟ قال : لا تكلمهم ، ولا تفش ذلك لهم حتى يأنذ الله تعالى لنا ، فبكى ميشا وبكت زليخا حين أخبرهما أنهم إخوته ، ولم يأذن لهم بالدخول بعد لاشتغاله ، تشوشت خواطرهم .
وفى رواية أنهم عالمون بنظره إليهم ، وتشوشت خواطرهم من كثرة نظره إليهم ، فقال يهودا : يا إخوتاه إن هذا الملك يكثر النظر إلينا ، ويكرنا غاية الإكرام ، فإما أن يكون أعجبته أجسامنا فأراد الاستعانة بنا على عدوه ، وسد ثغر من ثغوره ، وإما أن يكون فعل ذلك غبطة لآبائنا وأنسابنا ، أو بلغة ما فعلنا بيوسف ، فأراد أن يفضحنا ويدمر علينا ، وهذا هو المصرع الذى أخوفكم ، أو رحمكم لفقركم ، ويوسف يسمع ما يقول ويبكى .
ورى وأنهم يعدون عليه ويروحون وهم فى كرامة متصلة ، ويظهر لهم التجهم فتحيروا من جمعه بين التجهم والإكرام ، ولكما أرادوا مفاجأته بالكلام داخلهم الهبة والخجل ، ثم أذن لهم يوما ف الجلوس إليه ، وأكرم مجلسهم ، وسألهم بترجمان ، وكان كلما له الترجمان بما قالوا نقر الصواع فيقول : إن الصواع يخبرنى بصدقهم ، فيخبرهم الترجمان بذلك ، وكان سؤاله عن نسبهم وأسمائهم ومقصودهم وبلدهم .
وقد ثبت فى الحديث : كان يوسف يلقى حصاة فى إناء مخوص بالذهب فيطن ، ورى أيضا أنه قال : إنه طن ، وقال يوسف : إنه يخبرنى أن لكم أباً شيخاً كبيراً ، وقال : هل لوالدكم سواكم؟ قالوا : نعم كان له ولد اسمه يوسف فقده ولا ندرى كيف خبره ، وأخ شقيق ليوسف حبسه عنده يأنس به ، فنقر الصوع فخرج طنين عال فقال لترجمانه : قل لهم : إن الصواع يخبرنى أنكم كاذبون فى خبر هذا الواحد المفقود ، إذ قلتم لا ندرى كيف خبره ، فتغيرت ألوانهم ، وتجلجلت ألسنتهم ، وارتعد فرائصهم .
ثم قال : كيف كان سبب فقده ، حتى لم يعلم حقيقة أمره؟ فقال واحد : أكله الذئب ، وقال آخر : أسره العدو ، وقال آخر : غرق فى البحر ، فهز يوسف رأسه ونظر إلى الأرض ، ثم رفع رأسه وقال : ما حال والده بعده؟ قال : هو باكى العين ، قريح القلب ، حليف الأسى ، لا يستلذ بهجوعه ، ولا يشرب إلا ماء دموعه ، قد اعتزل عن الناس ، وهجر الخدين ، واتخذ لنفسه غارا تحت الأرض ، ودخل فيه وبكى حتى ابيضت عيناه ، وليس له ليل ولا نهار ، ولا نوم ولا قرار ، فتقلقل يوسف تقلقل الواجد ، سماع أخبار الوالد .
فتقر الصواع فقال للترجمان : قل لهم ما ذكرتم من أنكم أنبياء وألواد أنبياء ، فإنى لا أرى عليكم أسرة إنما أنتم لصوص أو جواسيس لأحد الملوك المجاورين ، إنما بعثكم لتطلعوا على عوراتنا ، فإذا رجعتم جئتم بأمثالكم من أهل القوة والندة تقاتلوننا ، ومراد التشبيه لهم بمن ذكر ، أو ذلك قول بعضهم : أنه لم يعرفهم حتى عرفوه بأنفسهم - وإن قوله هذا إنما هو قبل تعرفهم له أو ذلك منه بمنزلة قولك لمن عرفته ، : إنه غير فلان لعلك فلان ، وما لدليل على أنك غيره ، تريد مباحثته ، وأن يستدل لك - إنما نحن رعاة إبل وشاء ، قال لا أسرحكم من سجنى حتى أعلم خبركم ، فإن الصواع يخبرنى عنكم بأمور ، فأظهروا الخضوع ، وسكبوا الدموع .