58
الجزء ٦ · صفحة ٢٤٣وقالوا : نسألك أيها الملك بالذى بلغك هذه المنزلة ، وأكرمك إلا رحمتنا وسرحتنا إلى أبينا ، فإنه اليوم أعظم حقا عليك ، وعلى أهل الأرض ، وإن لم ترحمنا فارحم الشيخ يعقوب ، فلو رأيته لأبكاك ، قد احدودب ظهره ، وابيضت عيناه ، وكابده النوهن والشيب قبل أوانه ، وقد توسلنا إليك به فلا تضيع وسيلتنا ، ولا تخيب ظنوننا فيك .
فقال : أما ما ذكرتم من حرمة أبيكم فإنى لا أعلم اليوم أحدا على وجه الأرض أعظم حرمة منه ، ولا أعلى قدرا ، ولا أوجب حقا فلو مشى على ظهرى مقبلا ومدبرا ما قضيت حقه ، ولا أنكرت سبقه ، فأخبرونى ما أحزنه وهو نبى ، أليست الجنة بين عينيه يرجوها ، وقد أمنه الله فى عاقبته ، ولعله كثر سفهكم عليه وعقوقكم؟ قالوا : كلنا لسنا سفهاء ولا عاقين ، إنما ذلك من فقد أنيسه وحبيبه يوسف ، وكان أصغرنا وأحبنا إليه ، خرج إلى المرعى معنا فأكله الذئب ، وقد حبس أصغرنا بعده يستأنس به وهو أحبنا إليه بعد يوسف .
فقال : كيف يحب الصغير دون الكبير؟ فقالوا : أيها العزيز لو رأيته لاخترته على جميع العالمين ، وكنا نحبه ، ورأى رؤيا نكرها فكرهناه ، فقال : ما هى؟ قالوا : ظن أنه يكون ملكا ونحن بين يديه كالعبد ، قال : فهل وصل إلى الملك؟ كل واحد منهم : بل وصل إلى مُلْك الجنة ، وأما مُلْك الدنيا فما وصل إليه ، قال : لولا أنى أخشى أن تكونواصادقين لحبستكم وعذبتكم عذابا شديدا ، ولكن إن صدقتم فارجعوا إلى أبيكم وأقرءوه منى السلام ، وقولوا له : يكتب إلى كتاب يشرح فيه حاله ، ويخبرنى ما الذى أحزنه وأعمى بصره ، وأنا أوقر لكم دوابكم ودابة الذى تخلف مع أبيكم وهو أصغركم فيما تقولون ، وإذا بلغتم فأتونى به كما قال الله D :