100
الجزء ٦ · صفحة ٣٠٨﴿ وجَاء بكُم من البدْوِ ﴾ من البادية ، وكانوا أصحاب مواش يرعونها ويأوون إلى الحضر ، وليسوا بأهل عمود يتبعون الماء والحشيش ، فلا دليل فيه على أنه يجوز أن يكون النبى بدويا ، وقيل : إن يعقوب وبنيه بدويون ، فإن صح فلا دليل فيه ، لأن أصلهم فى الحضر فارتحلوا للبدو للغنم فقد تأدبوا بأدب الحضر ، وأبقوا وطنهم فى الحضر ، أو أنه جائز فى شرعهم التبدى بعد التحضر ، وسمى خلاف الحضر بدوا لأنه تبدا أرضه ، ويظهر فيها الشخس ، ووجه كون المجئ بهم من البدو إحسانا أن فيه إغناء عن مشقة البدو ، أو جمعا بينهم وبين يوسف وقيل : البدو اسم مدينة وهو ضعيف ، والخطاب لأبويه وإخوته ومن معهم .
﴿ مِنْ بعدِ أنْ نزغَ الشيِّطانُ ﴾ أفسد وأغرى بالشر ، من قولك : نزغ الدابة إذا نسخها لتجرى ، أو لتضرب برجلها ، أو تعض بفيها ﴿ بيْنى وبين إخْوتى ﴾ سكن ياءه غير ورش ، ونزغ الشيطان وسوسته ، وخالق الخير والشر الله .
﴿ إنَّ ربِّى لطِيفٌ ﴾ أى لطيف تدبيره أو أن تدبيره لطيف رقيق ﴿ لما يشاءُ ﴾ أى لأجل ما يشاء ، حتى يجئ على وفق الحكمة والصواب ، لا يتعاصى عنه شئ ، فانظر كيف جمع بين يوسف وأبيه وإخوته وأقاربه بإلقائه فى الجب ، فإن ذلك أمر خفى لا يتقطن له أحد ، أو اللطيف الرفق ، وعليه فيجوز إبقاء اللام على أصلها ، وجعلها بمعنى الباء ﴿ إنَّه هو العليم ﴾ بخلقه ومصالحهم وتبديرها ﴿ الحَكيمُ ﴾ فى صنعه ، لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة .
قال فى عرائس القرآن : قال الفضل ابن عياض : بلغنا أن يعقوب دخل مصر مصر وأرى يوسف ومملكته ، وكان يطوف يوما فى خزانة فرأى خزانة مملوءة قراطيس فقال : يا بنى ما منعك أن تكتب من هذه القراطيس كتابا إلىَّ؟ قال يوسف : يا أبت منعنى جبريل . فسأل يعقوب عليه السلام جبريل عن ذلك قال : منعنى ربى ، فسأل الله تعالىعن ذلك فأوحى الله إليه ، لأنك قلت : ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ فاستوجب هذه العقوبة لخوفك من غيرى .
وفى رواية أن يوسف أخذ بيد يعقوب ، وطاف به خزائن الذهب والفضة ، والحلى والثياب والسلاح ، وغير ذلك ، فأدخله خزائن القراطيس ، قال يا بنى ما منعك ، أو ما أغفلك عن هذه القراطيس ، وما كتبت لى على ثمانى مراحل؟ قال : أمرنى جبريل . قال : أو ما تسأله؟ قال : أنت أبسط إليه منى فاسأله فقال : الله أمرنى بذلك لقولك : ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ فخفت غيره ، ولم تذكرنى وهو أحق أن تخافه .
وروى أن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ، ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق ، فمضى به محمولا فى تابوت من مساج إلى الشام ، ووافق موت العيص أخى يعقوب فدفنهما فى قبر واحد ، وقد ولدا من بطن واحد ، وعمرها مائة وسبعة وأربعون سنة .