100
الجزء ٦ · صفحة ٣٠٩والذى سبق فى حفظى أنه قال ابن عباس رضى الله عنهما : سأل يوسف أباه ان يكون معه فى قصره على عرشه إلى أن يموت ، قال : يا يوسف ليس هذا من شأن أبيك ، ولكن اتخذ لى مسكنا من خارج القصر حتى أدخل فيه ، وأعبد الله حق عبادته ، وأوحده حق توحيده ، وأشكره حق شكره ، على ما ألف بيننا .
فقال يوسف : إذا جاء الليل فتعال بت معى حتى أشم رائحتك ، فقال : نعم وكرامة ، فأمر أن تبنى له خلوة ، فدخلها يعقوب ، يصوم النهار ويقوم الليل ، ويجاهد فى الله حق جهاده ، وأمر أيضا أن يبنى لكل واحد من إخوته قصرا إلا بنيامين فأسكته معه فى قصره ، وكانت زليخا تتعلم العلم من يعقوب ، حتى صارت فقيه أفضل من بمصر من رجال ونساء ، ولا مر يوم إلا زادهم الله حبا وشوقا إليه ، وترهبت زينة وزليخا ، فكلما دخل عليها يوسف وجدها مشتغلة بذكر الله ، وبقى يعقوب عليه السلام أربعين سنة يعلم أولاده وأولادهم العلم .
وقيل : وكان لكل واحد من أولاده اثناء عشر ولدا ذكورا أنبياء صالحين بوقت طيب ، وأتم سرور ، ثم أنزل الله جل جلاله جبريل على يعقوب يقول له : يرتحل إلى الأرض المقدسة عند قبور آبائه حتى يلحقه ملك الموت بها ، فقال ليوسف : يا بنى بشرنى جبريل بالارتحال إلى مجاورة ربى D . قال : يا أبت متى وعدك بقبض روحك؟ قال : الآن ، فصاح فغشى عليه ، ورش عليه الماء فأفاق ، فقال : يا أسفى على الفراق ما أمره ، ، فوجع يوسف وبنيه ، وخرج حتى وصل قبور آبائى ، فبكى عليها حتى لحقه النوم ، فرأى فى نومه إبراهيم الخليل على كرسى من جوهرة حمراء ، تضئ كالشمس ، وبيمينه إسماعيل ، وبيساره إسحاق ويقولون : الحق بنا يا يعقوب ، فإنا منتظروك .
فانبته فرحا مسرورا ، وقام من موضعه وقال لناقته : ارجعى إلى يوسف وقولى له : إن أباك قد رحل إلى ربه فرأى قبرا مفتوحا مطيبا مزينا تفوح منه رائحة المسك الأذفر ، فنزل ملك الموت فى صورة آدمى فقال له يعقوب عليه السلام : يا عبد الله أتعلم لمن هذا القبر؟ قال له : نعم ، وهو لعبد كريم على ربه . قال : أتعرف ذلك العبد؟ قال : نعم ، هو من أراد عمرانه ، فقال يعقوب عليه السلام : اللهم إننى أسألك أن تجعل هذا القبر لى ، فنودى إنى جعلته لك يا ابن إسحاق ، فتحول ملك الموت إلى صفته فنظر إليه يعقوب عليه السلام وقال : من أنت أيها الشخص ، فوالله لقد تضعضعت منك أركانى ، وتقطعت منك أوصالى ، وتقلقلت منك أسنانى؟ قال : أنا ملك الموت .