هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

36

الجزء ٣ · صفحة ٨٨

﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ : ومعنهاه بلغتهم العابدة ، وارادتبهذه التسمية أن يفضلها الله على أناث الدنيا ، وفاطمة رضى الله عنها مثلها ، أو أفضل منها ، وعائشة افضل منها ولعل عمران مات ، أو غاب حين ولدتها ، لأن العادة فى التسمية أن يتولاها الب ، وإذا جعلنا قوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثَى ﴾ من كلام الله تعالى ، كان معترضاً بين العاطف والمعطوف عليه ، وإن قوله : ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ عطف على قوله : ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ ، ولما فاتها أن يكون ما فى بطنها ذكراً يصلح لخدمة المسجد ، تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها من الشيطان ، وأن يجعلها من الصالحاتن كما قال الله تعالى :

﴿ وِإِنِّي ﴾ : وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو .

﴿ أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ : أى أجيرها .

﴿ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ : المرجوم بالشهب ، كما يرجم الشىء بالحجارةن أو المتعبد منرحمة الله تعالى اعتصمت بالله تعالى ، أن يمنعها من الشيطان الرجيم ، أن يضرها فى بدنها أو دينها ، قال أبو هريرة رضى الله عنه قال A : « كل ابن آدم يطعن الشيطان فى جنبيه بأصبعيه حين يولد ، غير عيسى بن مريم ، ذهب ليطعن فطعن فى الحجاب » وكذا مريم . وقد ذكرت رواية اخرى عن أبى هريرة عنه A : « ما من بنى آدم مولود ، إلا نخسه الشيطان حين يولد ، فيستها صارخاً من نخسه إياه ، إلا مريم وابنها » قال ابو هريرة : اقرءوا إن شئتم ﴿ وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ . وروى هذا الكلام مرفوعاً أيضاً إليه A فى وراية عن أبى هريرة عنه A : « هكذا كل مولود من بنى آدم له طعنة من الشيطان ، وبها يستهل الصبى ، إلا ما كان من مريم بنت عمران وابنها ، فإن أمها قالت حين وضعتها : وإنى أعيذها بك وذريها من الشيطان الرجيم ، فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان فى الحجاب » وظاهر الأحاديث أن الكعن حقيق سلط عليه الشيطانن وقال الزمخشرىك إن صح الحديثنفمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان فى إغوائه ، إلا مريم وابنهان فإنهما معصومان ، وكذا كل من كان فى صفتهما ، كقوله تعالى ﴿ إلا عِبَادَك مِنهم الُمخْلَصين ﴾ واستهلاله صارخا من نخسه تخييل وتصوير لطعمه فيه ، ونحو من النخييل قول ابن الرومى :

لما تؤذن الدنيابه من صروفها … يكون بكاء الطفل ساعة يولد

وبعد هذا :

وإلا فما يبكيه منها وإنها … لأوسع مما كان فيه وأرغد

قال : وأما حديث المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو ، فكلا ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم ، لامتلأت الدنيا صراخاً من نخسه . .

قلت : لعله سلط الشيطان على نخس المولود نخساً محصوصاً مرة واحدة وظاهرة أن الشيطان الناخس إبليس ، والظاهر أنهُ الجنس من الشيطان ، ولعله أراد بأمره لعنه اللهن وكذا إرادة امرأة عمران الجنس أو إبليس ، لأنه الآمر بذلكن وعن فاطمة رضى الله عنها أن رسول الله A لما دنا ولادتها أمر أم سلمة وزينب بنت جحش ، أن يأتيانها فتقرأ عندها آية الكرسى

١٬٠٨٨ / ٧٬٦٨٠