39
الجزء ٣ · صفحة ٩٦وقيل : لأن جبريل تكلم به إلى مريم تبشيراً لها به بأمر الله تعالى ، وقيل : لأن الله تبارك وتعالى ، أخبر النبياء أنه سيخلق رسولا بلا اب ، ولما خلقه قال إنه كلمة تكلم بها للأنبياء قبله ، وأول من صدق له يحيى عليه السلام ، وذكر الله هذا التصديق بقوله : ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّه ﴾ . قال ابن عباس : هو أكببر من عيسى بستة أشهر . وقال السدى : قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى . وقيل : التقت أم يحيى وأم عيسى حاملتين بهما ، فقالت أم يحيى : أشعرت أنى حامل ، وقالت أم عيسى : وأنا أيضاً حامل ، فقالت أم يحيى : إنى أجد ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك ، أى يعظمه ويؤمن به ، كما قال الله جل جلاله ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّه ﴾ . وقيل : الكلمة من الله كتاب أنزله الله وصددق به . والجمهور على أنها عيسى ، وعلى أن الكلمة كتاب ، فهو التوراة وعبارة بعض توهم أنه كتاب أنزل على يحيى ، وعبارة بعض : أنه كتب الله كلها ، والكلام يسمى كلمة ، ولو طال . قال A : « أصدق كلمة قالها لبيد : لعن الله كلمته - يعنى قصيدته - ومن الله نعت كلمة » .
﴿ وَسَيِّداً ﴾ : عطف على الحال وهو ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ ، فهذان وما بعدهما أحوال من يحيى ، متعاطفة وهن أحوال مقارنة لأن عند الله سيد حصور نبى ولو قبل أن يولد بمعنى أنه موصوف من عنده بذلك ، كما أنه مصدق فى البطن ولك جعل غير الأول حالا مقدراً ، أى : سيكون بعد ولادته سيداً حصوراً نبياً ، ويجوز عطف الحال المقدرة على المقارنة ، وبالعكس وكذا المحكية معها ومعنى كونه سيداص أنه يفوق الناس كلهم فى أنه ما همَ بمعصية ، وغيره من الأنبياء ربما همّ بما ليس ذنباً صغيراً ولا كبيراً ، ولكن عد عليه معصية ، لعظم مقام الأنبياء عليهم السلام ، وقال قتادة : المراد أنه سيد مؤمنى أهل زمانه فى العلم والورع والعبادة والحلم . وقيل : معناه أنه حليم لا يغضبه شىء ، وقيل : حسن الخلق ، وقيل : مطيع ربه ، وقيل : الذى يفوق قومه فى خصال الخير ، وقيل : سخى . كما قال رسول الله A : « من سيدكم يا بنى سلمة؟ » قالوا : جد بن قيس على أنا نبخله - أى ننسبه للبخل - فقال : « وأى داء أدوى من البخل ، لكن سيدكم عمرو بن الجموح » ومن فسر السؤدد بالحلم أو السخاء ، فقد أحرز مهنى السؤدد ، ومن جوز تفسيره بالعلم والتقى ونحو ذلك ، فلم يفسره بكلام العرب ، ولكن راعى فيه معنى الشرف ، فجعل كل يذكر ما ظهر له من المور المستحسنة ، وذلك كما قال مجاهد : السيد ، الكريم على الله
﴿ وَحَصُوراً ﴾ : صفة مبالغة ، أى بالغ فى حصر نفسه على العبادة ، وعن الشهواتوالملاهى ، ومر بصبيان وهو صبى ، فدعوه للعب فقال : ما للعب خلقت! ويدعونه من بيته للعب فيحيبهم بذلك أيضاً ، وقيل : بالغ فى حب نفسه عن وطء النساء مع القدرة عليه زهداً ومنعاً لنفسه عما تستهى ، وصححت هذا جماعة من المحققين .