هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

191

الجزء ٣ · صفحة ٣٦٠

« لا عبادة كالتفكر » وذلك لأنه بالقلب ، والقلب أفضل ما فى الإنسان وبصلاحة يصلح الجسد ، يتفكر به فيعرف الله ، ويستعمل الجوارح فى العبادة التى خلق الإنسان لأجلها ، والفكر يذهب الغفلة ويجيد الخشية للقلب ، كما يجدب النبات الماء ولا جليت القلوب بمثل الأحزان ، ولا اسننارت بمثل الفكر ، وعنه A : « لا تفضلونى على يونس بن متى ، فإنه يرفع له فى كل يوم مثل عمل أهل الأرض » ، قالوا : وإنما ذلك بالتفكر فى أمر الله تعالى ، غذ لا يعمل عمل أهل الأر فى اليوم إلا بذلك ، والنهى عن التفضيل قبل أن يعلم أنه أفضل الخلق ، وبعده قالك أنا سيد ولد آدم ولا فخر . وعنه A : « بينما رجل مستلق على فراش إذ رفع راسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال اشهد ان لك ربا وخالقاً ، اللهم اغفر لى ، فنظر الله إليه فغفر له » وفى الأحياء نهاية تمرة الدين ، فى الدنيا تحصيل معرفة الله ، وتحصيل الأنس بذكر الله ، والأنس يحصلبدوام الذكر ، والمعرفة تحصل بدوال الفكر ، ومر رسول الله A ، على قوم يتفكرون فى الخالق فقال : « تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق ، فإنكم لا تقدرون قدره » قال بعض العلماء : المتفكر فى الله ، كالناظر فى عين الشمس ، يزداد تحيراً ، وإنما يتفكر فى المخلوقات وأحوال الآخرة وثواب الله وعقابه . قال ابن عباس وأبو الدرداء : تفكر ساعة خير من قيام ليلة . قال سرى السقطى : فكرة ساعة خير من عبادة سنة ، ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها فى الآخرة . وعن الحسن : الفكر مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئأته . وأخذ أبو سليمان الدارانى قدح الماء ليتوضأ لصلاة ليل وعنده ضيف ، فرآه لما دخل أصبعه فى أذن القدح أقام كذلك مفكراً حتى طلع الفجر ، فقال له : ما هذا يا أبا سليمان؟ فقال : إنى طرحت اصبعى فى أذن القدح وتذكرت قول الله سبحانه : ﴿ إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل ﴾ فتفكرت فى حالى ، وكيف أتقى الغل إن طرح فى عنقى يوم القيامة ، قيل لامرأة أبى الدرداء : ما كان أكثر شأن ابى الدرداء؟ قالتك كان أكثر شأنه التفكر . قال ابن بطال : إذا كمل إيمان الإنسان وكثر تفكره ، كان الغالب عليه الإشفاق والخوف . والآية دليل على شرف العلم الذلا يبحث فيه على ثبوت الصانع وقدمه ، وعدم شبه الخلق وشرف أهل ذاك العلم وهو علم الكلام ، وقال ابن عطاء الله : الفكر سراج القلب ، فإذا ذهب فلا إضاءة له . قال القشيرى : فكر الزاهدين فى الدنيا وقلة وفائها لطلابها ، فيزدادون بالفكر زهداً ، وفكر العابدين فى جميل الثواب فيزدادون نشاطاً عليه ورغبه فيه ، وفكرة العارفين فى الآلاء والنعماء فيزدادون محبة للحق سبحانه .

١٬٣٦٠ / ٧٬٦٨٠