30
الجزء ٥ · صفحة ٣٦١قال بعضهم : إنما تمثل فى صورة نجدى لأنهم قالوا : لا يدخلن معكم فى المشاورة أد من أهل تهامة ، لأن هواهم مع محمد ، فلذلك تمثل فى صورة نجدى ، وكان فى ثياب رثة ، وروى أنه دخل فيهم وجلس معهم فقالوا : وما أدخلك فى مجلسنا بغير إذننا؟ فقال : أنا رجل من أهل نجد ، قدمت مكة فأحببت أن أسمع من حديثكم ، وأقتبس منكم خيرا ، ورأيت وجوهكم حسنة ، وريحكم طيبة ، فإن أحببتم جلست معكم ، وإن كرهتم مجلسى خرجت؟ فقال بعض لبعض : هذا نجدى لا بأس عليكم منه .
فقال أبو البخترى : أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه فى بيت مقيدا ، وتشدوا وثاقه ، وتسدوا باب التبيت غير كوة تلقون منها طعامه وشرابه ، وتتربصون به ريب المنون حتى يهلك ، كمن هلك من قبله من الشعراء ، فقالوا نِعْم الرأى رأيت .
وصرخ الشيخ النجدى وهو إبليس لعنه الله وقال : بئس الرأى رأيتم ، تعمدون إلى رجل له فيكم صفو ، وقد سمع به من حولكم فتحبسونه وتطعمونه وتسقونه ، فيخرج أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه ، فيوشك صفوه الذى فيكم أن يقاتلوكم ويأخذوه من بين أيديكم ، فتفسد جماعتكم ، فقالوا : صدق النجدى .
فقال هشام بن عمرو من بنى عامر بن لوى : أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير فتخرجوه من أرضكم ، فيذهب حيث شاء ، ويليه غيركم فلا يضركم ما صنع ، فتستريحون منه إذا غاب ، فقالوا : نِعْم الرأى .
فقال النجدى : بئس الرأى تعمدون إلى رجل قد أفسد جماعتكم ، واتبعه منكم طائفة سفهاء فتخرجونه إلى غيركم ، فيفسدهم كما أفسدكم أو اشد ، فيأتون عليكم فيخرجونكم من بلادكم ، ألا ترون إلى حلاوة منطقة ، وطلاقة لسانه ، وأخذ القلوب بما تسمع من حيدثه ، فقالوا : صدق الشيخ النجدى .
فقال أبو جهل : والله لأشيرن عليكم برأى ما أرى غيره ، أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا قويا نسيبا وسطا ، وتعطوا كل فتى سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه ، ولا أظن هذا الحى من بنى هاشم يقوون على حرب قريش كلها ، فإذا رأوا ذلك قالوا : الدية فتؤدى قريش ديته ، وقيل : قال : فيضربوه جميعا فلا يدرى قومه من يأخذون به وتؤدى قريش ديته .
وقال بعضهم : قال : إن لى فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد؟ قالوا : ما هو يا أبا الحكم؟ فذكر ذلك ، على الروايات كلها قال النجدى : صدق والله هذا المفتى ، وقيل : قال : الشاب ، وقيل : قال : الرجل ، وإنه لأجودكم رأيا ، والرأى ما أرى ولا أرى غيره فتفرقوا عليه .
فأعلم الله نبيه A بذلك بواسطة جبريل عليه السلام ، وأمره بالخروج إلى المدينة ، وأن لا يبيت الليلة على فراشه ، ولما كانت العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه .