42
الجزء ٥ · صفحة ٣٨٢﴿ أسْفَلَ ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر المبتدأ ، وقول بعضهم : إنه فى محل رفع ، وجهه أنه نائب عن ثابت أو مستقره المرفوع على الخبرية ، أو عن جملة فعلية خبرا لم ينقل منها الضمير إلى أسفل ، ولو بنى على نقله لم يصح له أن يقول فى محل رفع ، لأن ارفع يجئ له على جهة النيابة عن المرفوع ، والرفع الجملة لا للفعل وحده ، وهو حين النقل نائب عن الفعل فقط ، وأما قول سيبويه إنه فى محل خفض تقديره فى مكان أسفل ، فمعناه إنه ظرف مكان ، وأنه ليس نفس الركب وليس معناه أنه مجرور المحل بفى بحيث يجوز العطف عليه بالجر ، وقرئ برفع أسفل على أنه نفس الركب ، أما على الحكم بالتسفل على الركب لتسفل موضعه فلا تقدير ، أو على تقدير وموضع الركب أسفل منكم أى من موضعكم .
﴿ منْكُم ﴾ أيها المؤمنون ، والجملة حال من ضمير الاستقرار فى ﴿ إذ أنتم بالعدوة ﴾ أو معطوفة على أنتم بالعدوة ، أو على هم بالعدوة كما عطف قوله : ﴿ هم بالعدوة ﴾ على أنتم بالعدوة ، ويجوز كون الواو فيه حالية من ضمير الاستقرار ، واختار بعضهم كون الواوين عاطفتين ، كان أبو سفيان فى موضع أسفل من موضع المؤمنين إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر ، وتسفله بالإضافة إلى أعلى الوادى من حيث يأتى نكب إليه أبو سفيان بالعير حين سمع بخروج النبى A .
وذكر الطبرى عن مجاهد أن أبا سفيان وأصحابه أقبلوا من الشام تجارا لم يشعروا بأصحاب بدر ، ولم يشعر أصحاب النبى A بكفار قريش ، ولا كفار قريش بمحمد A وأصحابه ، حتى التقوا على ماء بدر فاقتتلوا ، وهذا على ظاهره مشكل ، ووجهه أن قريشا جاءت تمشى ولا تدرى أين تلتقى مع المؤمنين ، والمؤمنون جاءوا ولا يدرون أين يلتقون مع هؤلاء ، حتى تلاقوا بما مر من الطليعة أو غيرها ، فلا إشكال .
وفائدة ذكر التوقيت ، وذكر أن المؤمنين بالعدوة الدنيا ، والكافرين بالقصوى ، وأن الركب أسفل إعظام المنة إذ من الله على المؤمنين بالغلبة ، مع أن الحال هذه ، فإن العدوة الدنيا تسوخ فيه الأقدام ، ولا يمشى فيها إلا بتعب ، ولا ماء فيها ، بخلاف القصوى فليست كذلك ، وفيها العدو الكثير ، وكانت عير أبى سفيان وراء ظهورهم ذاهبة إلى مكة ، والإنسان يشتد فى الحرب إذا كان معه ما يخاف عليه ، ويثبت فيها أكثر مما يشتد ، ويثبت فى غير ذلك ، ولذلك كانت العرب تخرج إلى الحرب بنسائهم على الجمال وأموالهم ، لئلا يبرحوا عن الحرب ذبا عن الحريم ، ولا يتركون وراءهم ما تحدثهم أنفسهم بالانحياز إليه ، وكان الغالب مع ذلك المسلمين فى قلتهم فما ذلك إلا صنع من الله .