هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

42

الجزء ٥ · صفحة ٣٨٣

﴿ ولَوْ تَواعْدتُم ﴾ خطاب للمؤمنين والكافرين ، أو الضمير للمؤمنين والكافرين فقط ، وعليه فالتقدير : ولو تواعدتم مع الكافرين ، والمراد المواعدة بالقتال لوقت مخصوص فى مكان مخصوص ﴿ لاخْتَلفْتم فى المِيعادِ ﴾ فى الوعد بأن يتأهب الكفار وتقدم ، ويثبطكم بعض المؤمنين خوفا لقلتكم ، بل كان القتال بلا مواعدة ، خرج المؤمنون للعير والكافر ليمنعةها ، فالتقوا على غير ميعاد كما مر أن بعض الكفار قال : خرجتم لتمنعوا عيركم وقد نجت فلنرجع إلى مكة .

﴿ ولَكنْ ليقْضَى ﴾ يظهر ويوجد فى الخارج ﴿ اللهُ ﴾ متعلق بمحذوف يقدر مقدما ، أى دبر الله ذلك ، أو جمع بينكم على هذه الحال من غير تواعد ، ليقضى الله ، أو مؤخرا للحصر هكذا ليقضى الله ﴿ أمْراً ﴾ هو نصر أوليائه على أعدائه ﴿ كانَ مفْعُولا ﴾ حقيقا بأن يفعل ، أو مكتوبا فى اللوح المحفوظ ، أو مقضيا فى الأزل أن يفعل دبر ذلك ، أو جمع بينكم على هذه الحال من غير تواعد .

﴿ ليَهْلِكَ ﴾ بدل اشتمال من ليقضى أو متعلق بمفعولا ، أو ينقضى ، وقرأ الأعمش بفتح لام يهلك ، ورواها عصمت عن أبى بكر عن عاصم ﴿ مَنْ هَلَكَ عَنْ بيِّنةٍ ﴾ عاينها واضحة لا تخالجه شبهة فلا تبقى له حجة ولا معذرة عند ربه ﴿ ويَحْيا مَنْ حَىَّ عَنْ بيِّنةٍ ﴾ بالفك عند نافع ، وأبى بكر ، ويعقوب ، وابن كثير فى رواية البزى ، قال سيبويه : أتانا بهذه اللغة يونس ، قال الفراء : وهى حسنة ، ووجهها الحمل على المضارع فإنه لا إدغام فيه ، لأن الياء الثانية فيه تقلب ألفا ، فاجتماع المثلين فى الماضى كالعارض لعدمه فى المضارع والأمر ، والعارض لا يعتد به غالبا ، وقرأ الباقون حى بالإدغام نظرا إلى أنهما مثلان فى كلمة حركة ثانيهما لازمة ، وكلاهما فصيح ، والفك أكثر فى كلامهم ، قاله الشيخ خالد .

وظاهر تمثيل ابن هشام أيضا اختيار الفك ، والمراد بالهلاك حقيقة الموت ، وبالحيات ضده ، والمعنى ليهلك من شارف الهلاك ، فإن الإنسان ولو كان عمره طويلا مشارف للموت ، أو ليكون هلاكه هلاكا عن بينة ، أو يهلك عن بينة من كان فى علم الله أنه يهلك كذلك ، وليحيا من شارف الحياة ، فإن الإنسان فى كل حال مشارف للحياة التى بعد حاله مالم ينقض أجله ، أو من حيى بعد الخروج عن أمه ، وبعد البلوغ ، ولو لم يحضر وقعة بدر ، فإن وقعته آية واضحة من كفر بها كان مكابرا لعقله ، ومغالطا له ، ولا سيما من حضرها ، أو لتكون حياته حياة عن بينة ، أو ليحيا عن بينة ، من كان فى علم الله أنه يحيا عنها .

وقال ابن إسحاق : الهلاك والحياة ستعاران للكفر والإيمان ، وفيه الأوجه السابقة من المشارقة وما بعدها ، وزعم شيخ الإسلام أن تلك الأوجه مختصة بقول ابن إسحاق ، ويقرب منه قول قتادة ، إن المراد الضلال والاهتداء وإنما تعدى الهلاك بعن لأنه فوات وخروج عن الإيمان بالضلال ، أو باموت ، أو لتضمنه معنى صدور الهلاك عن كذا ، وتعدى يحيا بعن لتضمنه معنى صدور الحياة عن بينة ، ومسمى النكرتين واحد على خلاف الغالب كقوله : « وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله » والتنكير فيهما للتعظيم ﴿ وإنَّ الله لَسَميعٌ ﴾ بقول من كفروا ، وقول من آمنوا ﴿ عَليمٌ ﴾ باعتقادهم وسائر أحوالهم يثيب على الخير ، ويعاقب على الشر ، أو يدبر أموركم ومصالحكم معشر المؤمنين .

٢٬٣٨٣ / ٧٬٦٨٠