26
الجزء ٥ · صفحة ٤٦٦« وقال السهيلى عنه : إنه قال جئته عن يمينه ، فإذا أنا بالعباس قائما عليه درع بيضاء فقلت : عمه لن يخذله ، فجئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث ، فقلت ابن عمه لن يخذله ، فجئته من خلفه فدنوت ودنوت ، حتى لم يبق إلا أن أسور بالسيف ، فرفع إلى شواظ من نار كأنه البرق ، فنكصت على عقبى القهقرى ، وقيل : فرأيت خندقا من نار بينى وبينه ، وسورا من حديد ، فرجعت القهقرى ، فالتفت إلىَّ رسول الله A وتبسم ، وعرف الذى أردت ، فقال : » يا شيبة ادنه « فدنوت ، فوضع يده على صدرى ، فاستخرج الله الشيطان من قلبى ، فرفعت إليه بصرى ، فلهو أحب إلىَّ من سمعى وبصرى » ، وفى رواية : « فضرب فى فى صدرى ، فقال أعيذك بالله يا شيبة ، فارتعدت فرائصى ، فنظرت إليه وهو أحب إلىَّ من سمعى وبصرى ، فقلت : أشهد أنك رسول الله ، أطلعك الله على ما فى نفسى ، فقال لى : » يا شيبة قاتل الكفار « فقاتلت معه A » ، وزاد عياض عنه أنه وضع يده على صدرى وهو أبغض الخلق إلىَّ ، فما رفعها إلا وهو أحب الخلق إلىَّ ، وتقدمت أمامه أضرب بسيفى وأقيه بنفسى ، ولو لقيت أبى فى تلك الساعة إلا وقعت به .
﴿ وأنْزلَ جنُوداً لم تَروْها ﴾ بعيونكم وهى الملائكة ، وكانت خمسة آلاف ، أو ثمانية آلاف ، أو ستة عشر ألفا أقوال ، وكانت عمائمهم حمرا أرخوها بين أكتافهم ، واختلفوا : هل قاتلت الملائكة يوم حنين أم لا؟ وكانت تخذيلا للمشركين ، وتجبينا لهم ، وثبتوا المؤمنين بإلهام ، قال رجل من بنى نصر بعد القتال للمؤمنين وهو أسير : أين الخيل البلق ، والرجال الذين عليهم الثياب البيض ، وإنما كان قتلنا بأيديهم ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة ، قالوا : تلك الملائكة .
قال جبير بن مطعم : لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود ، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم ، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادى ، لم أشك أنها الملائكة ، ولم يكن إلا هزيمة القوم ، ولا تنافيه الآية ، لأن مراد ما لم تروها وبصورها وصور الرجال ، ورآها المشركون بصور رجال ، والبجاد الكساء ، وسمع الكفار صلصلة من السماء كإمرار الحديد على الطست الجديد ، وذلك نزول الملائكة ، وعن يزيد بن عامر : كان فى أجوافنا ضربة الحجر فى الطست من الرعب .
﴿ وعذَّبَ الَّذينَ كفَرُوا ﴾ بالقتل ، والأسر ، والسبى ، والسلب ، « روى أنه قتل منهم أكثر من سبعين ، ومن المسلمين أيمن بن أم أيمن رضى الله عنه حين فر الناس وهو بين يدى رسول الله A وثلاثة معه رضى عنهم وأثقل ، خالد بن الوليد بالجراح ، وقال A : » من يدلنى على رحل خالد « فدل عليه ، فوجده مستندا على مؤخر رحله ، فنفث على جراحه فبرىء » .