هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

28

الجزء ٥ · صفحة ٤٧٣

وقال جابر بن عبد الله ، لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية ، أو عبدا لمسلم ، وإنما نهى عن الاقتراب للمسجد الحرام ، مع أن المراد النهى عن دخوله مبالغة ، وقيل : المراد بالنهى عن دخول الحرم ، وإليه يميل عطاء ، وقيل : المراد النهى عن الحج والعمرة ، لا عن الدخول مطلقا وهو رواية عن أبى حنيفة ، وروى عنه أنه يجوز للمعاهد دخول الحرم ، وهو قول أهل الكوفة ، وعن مالك ، والشافعى ، وأحمد : لا يدخل الحرم ذمى ، ولا مستأمن ، ولا غيرهما ، فإن جاء رسول من دار الكفر خرج إليه الإمام من الحرم ، أو أرسل إليه من يسمع رسالته ، وأجاز بعضهم للمشرك مطلقا أن يدخل سائر المساجد بإذن مسلم ، ويجوز دخول المشرك الحجاز ، ولكن لا يقيم فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام .

وقد قال A : « لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، فلا أترك فيها إلا مسلما » وأوصى بإخراجهم ، وأراده أبو بكر ولم يتفرغ له ، وأخرجهم عمر منها ، وهى من جدة إلى أطراف الشام ، ومن أقصى عدن إلى ريف العراق ، وقيل : ما أحاط به بحر الهند ، وبحر الشام ، ودجلة ، والفرات ، وقيل : ما بين جفر أبى موسى إلى اليمن طولا ، وما بين رمل بئرين إلى منقطع السماوة عرضا وقيل : المدينة ، ومكة ، والحجاز ، والطائف ، وهو قول مالك ، وقيل : كلما ملكه العرب ما بلغه التوحيد ، لأن النبى A عربى ، ذكر ذلك الخلاف فى أواخر السؤالات الحجاز : مكة ، والمدينة ، والطائف ، ومخالفيها لأنها حجزت بين نجد وتهامة ، أو بين نجد والسراة ، أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس : حرة بنى سليم ، وواقم ، وليلى ، وشوران ، والنار ، وقيل : نصف المدينة حجازى ، ونصفها تهامى ، وقيل : المعنى لا يتولوا شيئا من مصالح المسجد الحرام ، ولا يقوموا به .

واعلم أن مذهبنا أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لقوله سبحانه : ﴿ ما سَلَككم فى سقر قالوا ﴾ الخ ونحوه ، ولا دليل فى هذه الآية على ذلك عندى ، لأنها ولو كانت بظاهرها نهيا للكفار عن مقاربة المسجد الحرام ، لكن المراد بها نهى المسلمين عن أن يتركوهم ، والمقاربة كقولك : لا يكن فى المسجد ريح الثوم ، بمعنى لا تأتوا المسجد بريحه ، ثم رأيت جار الله أشار إليه والحمد لله ، وقال القاضى : إن الآية تدل على خطابهم بالفروع .

﴿ بَعْد عَامِهِم هذا ﴾ عام حَجَّ أبو بكر وهو التاسع ، وهو الذى لحقه فيه علىّ بالبراءة إلى المشركين ، وقيل : عام حجة الوداع ، وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه ، وقد نادى على يومئذ : ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك ، ولكنهم فسروا لا يقربوا المسجد الحرام ، بلا يحجوا ولا يعتمروا ، قال جار الله : لا يمنعون من دخول الحرم عندهم ، والمسجد الحرام وسائر المساجد .

٢٬٤٧٣ / ٧٬٦٨٠