29
الجزء ٥ · صفحة ٤٧٦﴿ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتَابَ ﴾ متعلق بمحذوف حال من الذين فى قوله : ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ ومن للبيان ، ولا يصح أن تكون للتبعيض بدليل السياق ، فإن فيه الجزية ، ولا شك أنه A قبض الجزية عن أهل الكتاب كلهم ، إلا ما استتر من راهب ونحوه ، فهم كلهم مشركون ، لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق ، فالآية صادقة عليهم ، ولو أقروا بالله والتوراة والإنجيل فلا عذر لهم إلا من لم تبلغه رسالته A وأوتوا بمعنى أعطوا بالبناء للمفعول ، والكتاب الجنس ، كالتوراة والزبور لبنى إسرائيل ، والإنجيل للنصارى ، وأهل الكتاب شامل للصابئين ، قيل : والسامريين ، قال على : هو شامل أيضا للمجوس ، فإنه بعث إليهم نبى اسمه زرادشت ، وكان لهم كتاب أصبحوا وقد رفع .
﴿ حتَّى يُعْطْوا ﴾ مبنى للفاعل ، وإنما ضم أوله لأنه رباعى ﴿ الجِزْيةَ ﴾ يدعوهم الإمام إلى الإسلام ، فإن لم يجيبوا ألزمهم الجزية ، وإن امتنعوا منها قاتلهم يدعو من أهل القرى الأمراء ، ومن أهل البادية واحدا واحدا ، وقيل : المنظور إليه منهم والرؤساء وإن لم يعلم لغتهم ترجم لهم بأمينين ، وقيل : بواحد ، وإن قوتلوا بلا دعاء ردوا إلىَّ ما منهم ، وإنما قبلت منهم الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الدين ، الذى هو من الله قبل نسخه ، ولأن فى أيديهم كتبا قديمة ، ولعلهم يتفكرون فيها فيعرضوا صدق سيدنا محمد A ، مع ما ينضم إلى ذلك من مشاهدتهم محاسنه وقوته ، وكثرة الداخلين فيه .
وسميت جزية لأنها تجزى عن قتلهم ، أو لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه ، أى يقضوه ، يقال جزى دينه بمعنى قضاه ، أو لأنها مكافأة للمسلمين على إبقائهم ، ويعطيها أيضا المجوس لما مر عن على ، ولأنه A أخذها من مجوس اليمن ، وأن عمر أخذها من مجوس فارس ، وفى رواية أخذها A من مجوس البحرين ، ولما رواه عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه ، عن رسول الله A أنه قال : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » يعنى فى الجزية ، ولكن ظاهره يقضى أنهم ليسوا بأهل كتاب ، ولعله أراد سنوا بهم سنة أهل الكتاب الذين عهدتم أنهم أهل كتاب وشهروا ، ولكن اليهود والنصارى والصابئين تحل ذبائحهم ونكاح حرائرهم بالجزية دون المجوس ، هذا مذهبنا ، ومذهب الجمهور ، وعليه مالك وابن حبيب وغيره من أصحاب مالك إلا قليلا منهم .
وظاهر ما مر عن على أنه تحل ذبائح المجوس وحرائرهم بالجزية ، وبه فسر بعضهم حديث عبد الرحمن المذكور ، فإن قيل : المعنى سنوا بهم سنة أهل الكتاب فى كل شىء ، كالجزية والذبيحة ، ونكاح الحرة منهم ، وسواء فى ذلك مجوس العرب وغيرهم ، وقيل : لا يقيد من مجوس العرب إلا الإسلام أو القتل ، وقيل : الصابئون ليسوا من أهل الكتاب ، فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل ، ولا تحل ذبيحتهم ولا حرائرهم ، وقيل : تؤخذ منهم الجزية ، ولا تحل ذبيحتهم وحرتهم ، وهذا الخلاف أيضا فى السامرة ، ونسب لقول بأنهم والصابئون من أهل الكتاب ، وأحكامهم واحدة إلى الجمهور ، والنظر إلى الدين ، فلو كان قوم من البربر من أهل الكتاب لأخذت منهم الجزية ، وحكم عليهم بحكم أهل الكتاب كله .