30
الجزء ٥ · صفحة ٤٨١قال فى عرائس القرآن : روى عطية العوفى ، عن ابن عباس : كان عزير عليه السلام من أهل الكتاب ، وكانت التوراة عندهم يعملون بها ، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق ، وكان التابوت فيهم ، فرفعه الله وأنساهم التوراة ، لذلك قيل : أرسل عليهم مرضا استطلقت به بطونهم ، وتيبست أكبادهم فنسوها ، ويرده أنهم لم يحفظوها فضلا عن أن ينسوها ، ولعلهم حفظوا قليلا منها ، فبينما هو يصلى مبتهلا ، إذ نزل من السماء نور فدخل جوفه ، فعاد إليه الذى ذهب منه ، فنادى فى قومه : يا قوم أتانى الله التوراة ، وردها علىَّ فعلقوا به يعلمهم ، ومكثوا ما شاء الله ، ثم نزل التابوت فعرضوا ما علمهم على ما فيه فوجدوه مثله ، فقالوا : والله ما أوتى عزير هذا إلا لأنه ابن الله .
وقال السدى فى رواية عمار ، وابن أبى عمار : ظهرت العمالقة على اليهود وقتلوهم ، وأخذوا التوراة ، وهرب علماؤهم الذين بقوا ، ودفنوا كتب التوراة فى الجبال وغيرها ، ولحق عزير بالجبال والوحوش ، يتعبد فى رءوس الجبال ، ولا يخالط الناس ، ولا ينزل إلا يوم عيد ، وجعل يقول : يا رب تركت بنى إسرائيل بغير عالم ، وجعل يبكى حتى سقطت أشفار عينيه ، وبقى زمانا طويلا ، فنزل مرة إلى العبد ، فمر بامرأة على قبر تبكى وتقول : يا مطعمى ، ويا كاسنى ، فقال لها : اتقى الله واصبرى ، أما علمت أن الموت سبيل الناس ، ثم قال لها : من يطعمك ويكسوك قبل هذا الرجل؟ يعنى زوجها الذى هى تندبه ، قالت : الله ، قال : فإن الله تعالى حى لا يموت ، قالت : يا عزير لست بامرأة ولكنى الدنيا ، ثم قالت : يا عزير فمن كان يعلم الناس الأوائل قبل العلماء؟ قال : الله ، قالت : فلم تبكى عليهم ، وقد علمت أن الله حى لا يموت ، وأن الموت حق؟ فعلم انه مخصوم ، وقالت له : سينبع لك فى مصلاك عين ، وتنبت لك شجرة ، فكل من ثمرها وسيأتيك شيخ فما أعطاك فخذه .
ولما أصبح نبع فى مصلاه عين ، ونبتت شجرة ففعل ما أمرته به ، فجاء شيخ فقال له : افتح فاك ففتحه ، فالقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعا ثلاث مرات ، وقال له : ادخل هذه العين ، فدخلها ، فجعل لا يرفع قدما إلا زيد فى علمه ، ورجع إلى قومه وهو أعلم الناس بالتوراة ، فقال : يا بنى إسرائيل قد جئتكم بالتوراة ، فقالوا : يا عزير ما كنت كذابا ، فربط على كل أصبع من أصابعه قلما ، وكتب بأصابعه كلها ، حتى كتب التوراة كلها عن ظهر قلبه ، ولما رجع العلماء استخرجوا كتبهم التى دفنوا ، فعارضوها بتوراة عزير ، فوجدوها مثلها ، فقالوا : ما أعطاه الله هذا إلا أنه ابنه .
وقال الكلبى : ان بخت نصر ظهر على بنى إسرائيل ، وهدم بيت المقدس ، وقتل المقر بالتوراة وقارئها ، ولم يقتل عزيرا لأنه غلام صغير ولم يدر أنه قرأها ، ولما تمت مائة سنة ، ورجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس ، وليس معهم من يقرأ التوراة ، بعثه الله D ليجدد لهم التوراة ، ويكون لهم آية ، فأتاهم بعد ما أماته الله مائة عام ، وقد أتاه الله الملك ، وأعطاه إناء فشربه ، فكانت التوراة فى قلبه ، فقال لهم : أنا عزير فكذبوه ، وقالوا : إن كنت عزيرا كما تزعم فأمْلِ علينا التوراة فكتبها ، ثم إن رجلا منهم قال : حدثنى أبى ، عن جدى : أن التوراة فى خابئة دفنت فى كوم كذا فانطلقوا معه حتى احتفرها ، وأخرج التوراة فعارضوها بما كتب عزير فلم يجدوه غادر منها آية ولا حرفا فعجبوا وقالوا : إن الله لم يقذف التوراة فى قلبه بعد ذهابها منا إلا لأنه ابنه .