30
الجزء ٥ · صفحة ٤٨٢وروى أنهم قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام ، فرفع الله التوراة ومحاها من صدورهم ، فخرج عزير وهو غلام يسبح فى الأرض ، فأتاه جبريل فقال له : إلى أين تذهب؟ فقال : أطلب العلم ، فعلمه التوراة وأملاها عليهم عن ظهر لسانه ، لا يخرم حرفا ، فقالوا : ما جمع الله التوراة فى صدره وهو غلام إلا أنه ابنه .
﴿ وقالَتِ النَّصارَى المسِيحُ ابنُ اللهِ ﴾ مبتدأ وخبر ، وقيل المسيح مبتدأ محذوف الخبر وبالعكس ، وابن تابع ، وفى ذلك ما مر ، وقائل ذلك بعض النصارى ، وقال أبو المعالى : أطبقت النصارى على أن المسيح إله وابن الإله ، وإنما قالوا ذلك لاستحالة أن يكون الولد بلا أب عندهم ، أو لأنه يُبرىء الأكمه والأبرص ، ويحيى الموتى .
وقيل : كانت النصارى على دين المسيح عليه السلام ثمانين سنة ، وكان بين النصارى واليهود حرب ، وقتل بولس وهو من شجعان اليهود جماعة من أصحاب عيسى ، ثم قال لليهود : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا ، فسأحتال حتى يدخل النصارى معنا النار ، فعرقب فرسه الذى يجاهد عليه ، وأظهر التوبة ، ووضع التراب على رأسه ، ثم أتى إلى النصارى فقالوا : من أنت؟ قال : أنا عدوكم بولس نوديت من السماء أنه لا توبة لك حتى تتنصر ، فأدخلوه البيعة ونصروه ، وقعد فى بيت فيها سنة حتى تعلم الإنجيل ، ثم خرج وقال : قد نوديت أن الله قد قبل توبتى فصدقوه ، وعلا شأنه فيهم ، وأحبوه ، فعلَّم رجلا اسمه نسطور أن عيسى ومريم والله آلهة ثلاثة ، وعلم رجلا اسمه يعقوب أن عيسى ليس إنسانا ابن الله ، وعلم ثالثا اسمه ملكان أن عيسى هو الله ، لم يزل ولا يزال ، ولما تمكن ذلك فيهم دعى كلا منهم فى الخلوة ، وقال له : أنت خالصتى ، وادع الناس لما علمتك ، وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد ، وقال لهم : إنى رأيت عيسى فى المنام ، وقد رضى عنى ، وسأذبح نفسى تقربا إليه ، ثم ذبح نفسه فى مذبح البلدة ، فذهب واحد إلى الروم ، وواحد إلى بيت المقدس ، وواحد إلى ناحية أخرى فدعا كل إلى مقالته ، فاتبعهم طوائف فتفرقوا واختلفوا ، ووقع القتال فكان ذلك سبب قولهم : المسيح ابن الله .