30
الجزء ٥ · صفحة ٤٨٣ويقال : إن بعضهم يعتقد النبوة فى ذلك بنوة حنو ورحمة ، وكذلك قيل فى قول اليهود : عزير ابن الله ، كما قالوا : نحن أبناء الله ، وعلى كل حال فقد أشركوا بذلك ، لأن هذه الكلمة ولو لم تعتقد فى القلب على حقيقتها ، لكنها توهم الولادة ، فكانت كلمة شرك ، وقد غلطها الفخر إذ قال : الأقرب أن يقال لعله ، ورد لفظ الابن فى الإنجيل على التشريف ، ففسروه بالنبوة الحقيقية ا ه .
ونقول : تعالى الله أن ينزل ذلك اللفظ لا على التشريف ولا على الحقيقية ، والذى حفظته ما ذكره حماد قال : أنفقت على الحديث أربعة آلاف ، فليتنى أنفقتها على الأدب ، فإن النصارى صحفوا حرفا فكفروا ، أوحى الله إلى عيسى عليه السلام : أنا ولَّدتك بتشديد اللام ، وأنت نبيى بتقديم النون ، فخففوا اللام وقدموا الباء وضموها .
﴿ ذَلكَ قَوْلهم بأفْواهِهِم ﴾ ذكر الأفواه مع أن القول إنما يكون بالفم لا بغيره تأكيدا لنسبة القول إليهم ، ونفيا للتجوز فيها ، أو إشعارا بأنه قول من مجرد الفم لم يعتقدوه فى القلوب ، ولم يكن معناه واقعا ، فهو كاللفظ المهمل ، أو إشعارا بأنه لا برهان عليه ، وأنه دعوى محضة ، ولا شبهة فيها ، وهم معترفون بأنه لا صاحبة له فلا شبهة فى انتفاء الولد .
﴿ يُضاهِئُونَ ﴾ أى يضاهى قولهم بحذف المضاف ، والمضاهاة المشابهة ، وفى المشابهة موافقة ومواطأة ، ولذلك فسرها الحسن بالموافقة ، ومجاهد بالمواطأة ، وقرأ عاصم ، وطلحة بن مصرف : يضاهئون بالهمز وهو لغة ثقيف ، قال أبو على الفارسى : من قال إن هذا من قولهم امرأة ضهياء بالمد ، وهى التى لا تحيض ، وقيل التى لا ثدى لها ، سميت بذلك لشبهها بالرجل ، فقوله خطأ لأن الهمزة فى ضاهاء أصل ، وفى ضهياء زائد كحمراء ، ولذلك الألف المتصل بها قبلها ، وأما الضاد والهاء والياء فأصول ، وقال القاضى منه : امرأة ضهياء بهمزة متصلة بالياء لم تفصل بينهما ألف بوزن فعيل بإسكان العين وفتح الباء ، بعده على أن الباء زائدة والهمزة أصل .
﴿ قَولَ الَّذينَ كَفرُوا مِنْ قَبلُ ﴾ من قبلهم ، وهم الذين قالوا قبلهم : عزير ابن الله ، والذى قالوا قبلهم : المسيح ابن الله ، أو العرب الذين قالوا : الملائكة بنات الله ، وذلك على أن القائلين فى زمان سيدنا محمد A ، أو على أنهم قبله ، واعتبر من قال ذلك قبلهم ، أو أن العرب قالوا : الملائكة بنات الله قبل قول بنى إسرائيل الذين قبل زمانه ذلك ، والواو فى يضاهئون لليهود والنصارى ، وإن رجعته إلى النصارى فالذين كفروا من قبل اليهود فى قولهم : عزير ابن الله ، أو العرب القائلون ما مر ، أو قطعة من النصارى سابقة .
﴿ قاتَلَهم اللهُ ﴾ جاء على طريق الدعاء بهلاكهم ، فإن من قاتله الله هلك وكان بعيدا عن الرحمة ، ولذا فسره ابن عباس باللعن ، وقيل : ذلك تعجيب للناس من بشاعة قولهم ، فإن العرب تقول لمن فعل عجيبا : قاتله الله ، ولا تريد إهلاكا بل تعجيبا وليس ذلك من المفاعلة التى على بابها ، لما علمت من استعمال ذلك على طريق الدعاء أو فى التعجيب .
﴿ أنَّى ﴾ كيف أو من أين ﴿ يُؤفَكُون ﴾ يصرفون عن الحق بعد إيضاحه ، وقال أبو عبيدة : يحرمون الخير ، والأصل أنى توجهوا ، وأنى ذهبوا ، ويدل ذلك بفعل سوء كأنه قيل : أنى تقلبون على وجوههم .