60
الجزء ٦ · صفحة ٣٣قال النقاش : وقد قرأ لمساكين بتشديد السين بمعنى دباغين يصلحون المسوك وأن الابتداء بالأهم غير متعين ، ولو كان أولى فبالاحتمال يرفع الاستدلال ، ولم يظهر لى جواب عن الحديث ، بل هو كالنص فى قول الشافعى وهو الصحيح .
وقال أبو حنيفة ، وأصحاب الرأى : المسكين أشد من الفقير لقوله D : ﴿ أو مسكينا ذا متربة ﴾ أى لاصق الجلد بالتراب لغاية الشدة ، وأنه ساكن لا حركة به ، بخلاف من كسرت فقار ضهره فقد يتحرك ، ولجعل الله سبحانه الكفارة للمساكين ، أو لقول الراعى :
أما الفقير الذى كانت حلوبته … وفق العيال فلم يترك له سبد
ويجاب بأن الشدة إنما أفادها النعت وهو ذا متربة ، ولولا التقييد به لم تستفد من الكلام ، فدل على أنه قد يوجد مسكين بدون هذه الصفة ، وكان المستدل يرى أن هذا النعت بيان لما دلّ عليه لفظ مسكين لا قيد ، وأن المسكين أبدا كذلك ، وبأن الفقير إذا ذكر وحده يجوز إطلاق اسم المسكين عليه ، وبأنه إنما سماه فقيرا بعد أن صار لا حلوبة له ، وإنما ذكر الحلوبة بأنها كانت كذا قيل ، ويرده معنى القصيدة ، ومقصد الشاعر ، فإنه إنما يصف سعاية أتت على حال الحى بأجمعهم ، فقال : أما الفقير فاستوصل ماله فكيف بالغنى مع هذه الحال .
وقال الحسن ومجاهد ، وعكرمة ، والزهرى : الفقير من لا يسأل ، والمسكين من يسأل ، وهو قول ابن عباس ، وابن زيد ، وجابر بن زيد ، ومحمد ابن مسلمة ، ووجهه عندى أن المسكين قد ذل وخضع ، وبذل وجهه وسأل كما ينبىء بذلك ظهور المسكنة عليه ، بخلاف الفقير ، فلم يفعل التعفف ، المفرط ، أو البلغة ، وقد وصف الله سبحانه بنى إسرائيل بالمسكنة ، وقرنها بالبذل ، ووصف الفقراء بأنهم لا يستطيعون ضربا فى الأرض ، وأن الجاهل يحسبهم أغنياء من التعفف ، وفى الحديث : « ليس المسكين بهذا الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان ، ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه اقرءوا إن شئتم : ﴿ لا يسألون الناس إلحافا ﴾ » أى إن المسكين هو الطواف فى لغتكم هو المسكين ، وأنا أنبهكم على المسكين الذى له شأن ، وهو من لا يسأل إلحافا ، وهذا كما يقول : ليس الفقير من لا مال له ، إنما الفقير من لا حسنة له .
وقيل : الفقير المحتاج الزمن ، والمسكين المحتاج الصحيح ، وزعم عكرمة فيما قيل عنه : أن الفقراء من المسلمين ، والمساكين من أهل الذمة ، ولعل هذا إذا جمعا ذكر الفريقان ، وأن ذكر الفقراء فقط ، أو المساكين عم ، وقيل : الفقير من هاجر ، والمسكين من لم يهاجر ، ونسب للضحاك والنخعى ، وقيل : الفقير الذى له المسكن والخادم ، والمسكين لا ملك له ، ومن ادعى الفقر أو المسكنة أعطى ، وقيل : لا يُعطى إلا ببيان ولا تجبى لغائب إن جاوز فرسخين ، وإن كان قريبا ولم يجاوزهما ، فالحاضر الأجنبى أولى ، وقيل : هو أولى ، وقيل : هما .