هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

5

الجزء ٦ · صفحة ١٣٨

﴿ قالَ يا بُنىَّ ﴾ تصغير ابن للشفقة أو لصغر سنه ، والأصل يا بنيوى بضم الموحدة وفتح النون وإسكان المثناة التحتية وهى للتصغير ، وكسر الواو بعد ياء الإضافة ، اجتمعت الياء والواو ، وسكنت السابقة فقلبت يا ءوأدغمت فيها الباء وهى التصغير ، وحذفت يا ءالإضافة لدلالة الكسرة ، وقرأ حفص هنا وفى الصصافات بفتح المثناة ، كما تقول : يا غلام بالفتح تخفيفا عن كسر ، أو دلالة على ألف منقبلة عن ياء الإضافة محذوفة .

﴿ لا تَقْصًص رُؤيَاكَ ﴾ : بألف التأنيث فرقا بين رؤية العام والبصر على ما مر ، وقرئ رؤياك بإبدال الهمزة واوا تمد بها الراء ، وسمع الكسائى رياك بضم الراء وكسرها وتشديد الياء وهو ضعيف ، لأن الواو فى تقديره الهمزة ، فلا يقوى إدغامها .

وحقيقة الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحسن المشترك والصادقة منها ، إنما تكون باتصال النصس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فرغاها من تدبير البدن أدنى فراغ ، فيتصور بما فيها مما يليق بها من المعانى الحاصلة هناك ، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحسن المشترك ، فتصير مشاهدة ، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية ، استغنت الرؤيا عن التعبير ، وإلا احتاجت إليه قاله القاضى وهو حسن جدا ، والله سبحانه يخلق فى قلب النائم اعتقادات كما يخلقها فى قلب اليقظان .

﴿ عَلى إخْوتِكَ ﴾ يهودا ورويل وشمعون ولاوى وريالون ودينه ودان ويشجر ويفثالى وجاد وأشر ، السبعة الأوى من أيا بنت خالة يعقوب ، والأربعة الآخرون من سبريتين زلفة وبلهة ، فملا توفيت تزوج أختها راحيل ، فولدت له بنيامين ويوسف ، وقيل : جمع بينهما [ لأنه ] لم يكن الجمع بين الأختين محرما فى شريعته ، والمعنى لا تخبر إخوتك برؤياك لأنهم يعرفون تأويلها .

﴿ فَيَكيدُوا لَكَ كَيداً ﴾ نصب الفعل فى جواب النهى ، أى إن قصصتها عليهم كادوك ، يعنى يحتالوا فى هلاكك لعلمهم بتأويلها ، عرف يعقوب من رؤياه أن يوسف يبلغه الله مبلغا من الحكمة ، ويفوقه على إخوته ، ويطصفيه للنوبة : وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه ، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم ، وعدى يكيد باللام لتضمنه معنى فعل قاصر ، وهو يحتال كما ذكر ، أو يضم أو هى مثلها فى نصحت لك ، وشكرت لك ، يقال : نصحتك ونصحت لك ، وكذا فى شكر وكاد .

﴿ إنَّ الشَّيْطان للإنْسانِ عَدوٌ مُبينٌ ﴾ ظاهر العداوة أو مظهرها ، ألا ترى ما فعل بآدم وحواء فلا يقصر فى تسويلهم ، وإثارة الحسد يهم حتى يحملهم على الكيد ، فما أسرع كيدهم إن قصصت عليهم ، إذ تجتمع عداوة الحسن ووسوسة العدو القديم ، واستدل بعضهم على عدم نبوة إخوة يوسف بما كادوه .

وقال ابن زيد : إنهم أنبياء ، وفعلوا ذلك قبل النبوة ، وكذلك إنما يرتعون ويلعبون قبل النبوة ، ذكر ابن جرير ، وابن المنذر ، أن أبا عمرو قيل له : كيف تقأ نرتع ونلعب بالنون وهم أنبياء؟ فقال : لم يكونوا يؤمذ أنبياءن واتفقوا على أنهم صلحاء ، واختلفوا فى نبوتهم ، ولذلك ذكرهم البوصرى بالصلاح المتفق عليه ، لا بالنبوة المختلفة فيها ، إذ قال : وسمعتم بكيد أولاد يعقوب أخاهم وكلهم صلحاء أو لاختياره عدم النبوة ، والصحيح أنهم أنبياء ، لقوله سبحانه :

٢٬٦٣٨ / ٧٬٦٨٠