هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

35

الجزء ٦ · صفحة ١٩٩

قال أبو صالحك لم أر ابن عباس قط يذكر الحدنث على يوسف إلا بكى ، وذلك ليحسب الناس أنه المجرم ولإياسها من طاعته ، ولطمعهما أن يذلله السجن ويسخره لها ، وتبصر ما يكون منه .

وروى أنها قالت : إن هذا الغلام العبرانى قد فضحنى فى الناس ، وهو يعتذر إليهم ، ويصف الأمر بحسب اختياره ، وأنا محبوسة محجوبة فإما أن تأذن لى فأخرج أعتذر وأكذبه ، وإما أن تحبسه كما حبستنى ، وإلا لم أطق أن أعتذر بعد ، وقد نكس رأسى عند تطايرى ، وشاع خبرى وخبره بمصر .

وروى أنها قالت : لا براءة لى عندهم إلا أن أسجنه ، فسجنه ، وقد علم ببراءته .

وروى أنه قال لها : لا يسجن إلا الملك ريان بن الوليد ، وكان مراده فيما قيل أنه يخرج أمره من يدها ، لأنها ربما حنت عليه وأخرجته ، فإذن لها فى الخروج إلى ريان ، فلبست ثيابها وجعلت تاجها على رأسها وأقبلت حتى أتت ريان بن الوليد ، وكان فى بيته الأعظم ، وهو من حديد ونحاس مرصع بالدر والجواهر ، وكان إذ أراد أحد الدخول عليه نظر إليه الملك قبل الدخول من كوة ، ولما رأى زليخا مقبلة استوى جالسا ، وأمر الغلمان بفتح الأباوب ففتحوها لها ، وكانت ذات قدر عظيم عند مطاعة إذا أمرت ، لأنها كانت من بنات الملوك ، فلما دخلت خرت ساجدة له ، فقال لها : ارفعى رأسك فأتت المقربة المرضية ، وحاجتك عندى مقضية ، فرفعت رأسها إليه ، وأخذت بالثناء عليه ، لأنه من أدب السؤال .

فقالت : أيها الملك دام لك البقاء ، وألبست ثوب النعمة والرخاء ، لم تزل لى مكرما ، وإلى حوائجى مسرعا ، وإن عبدى العبرانى قد استعصى علىَّ ، وأحب أن تأذن لى فى حبسه فى سجن المجرمين حتى يتأدب ولو بعد حين .

فقال لها : قد جعلت أمر السجن ومن فيه بيدك ، فأطلقى من شئت وأقبلت إلى منزلها وأمرت بإحضار حدادين إليها ، فمثلوا بين يديها ، فقالت : أريد أن تصنعوا لى قيدا محكما لعبدى العبرانى ، فقالوا لها : أيتها الملك ة المطاقة فى أمرها ، والعظيمة فى قدرهان إنا نرى بدناً ناعماً وساقا رقيا ، ووجها أنيقا ، ولا يخفى أنه ربى فى نعمة شاملة ، وعافية كاملة ، وكيف يقوى هذا على ثقل الحديد ، وثقاف التقييد؟

قالت : قيدوه ولا بد ، فقال : قيدونى لإإنى من أهل بيت البلاء ، فقيدوه واحتملوه على الاكتاف إلى السجن ، وتسامع الناس به ، وأقبلوا من كل مكان ، وصعدوا على الجدران ، وامتلأت الطرق ، ولما كثر نظر الناس إليه نكس رأسه ، وألقى يده على صدره ، والناس يقولون : عصى سيدته الملكة ، وهو يقول : هذا خير من عصيان ربى ، ومن مقاسات النيران ، وسرابيل القطران ، بين حميم آن .

٢٬٦٩٩ / ٧٬٦٨٠