56
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٥وفى رواية أن العزيز توفى ويوسف فى السجن ، فأخذ الملك ما بيده من الأموال ، وافتقرت زليخا ، وهرمت وعميت ، أما فقرها فلأنها لم تلتفت لمالها لما بها من حب يوسف ، ولا تبالى بمن أخذه ، وأما هرمها فلغفلتها عن الطعام والشراب واللباس ، وأما عماها فلكثرة بكائها .
وروى انها هربت لما ولى يوسف مصر لفئلا يقتلها بما فعلت به ، وروى أنه نسبها وعميت وافتقرت ، وكانت فى بيت عجوز خمسا وعشرين سنة .
وروى أنها افتقرت فى أول سنين الشدة وكانت قد بنت بيتا على قارعة الطريق التى يمشى منها يوسف عليه السلام ، وكان يركب ويدور فى عمله ، وينصف المظلوم من الظالم ، ووإذا ركب صهل فرسه فتبلغ صلهته أهل المدينة بأسرها قريبها وبعيدها ، فيركبون ويأتون إلى قصره أسرع من طرفة عين ، ويركب لركوبة مائتا ألف عن يمينه ومائتا ألف عن يساره ، ومائتا ألف أمامه ، ومائتا ألف خلفه ، وبين يديه ألف سياف ، فلا يمره بأحد إلا قال : لقد أكرم الله هذا العبد ، وأتاه ملكا عظيما .
وكانت زليخا تشد وسطها بحبل من ليف ، وتلبس جبة من صوف ، وتقف على قارعة الطريق ، فإذا جاز عليها يوسف عليه السلام تناديه فلا يسمع نداءها ، ولا يذكرها أحد بين يديه ، فأقبلت على صنمها فكسرته ، فقال : ما أراك تغنى عنى شيئا ، وكانت تقول لخادمتها : قفى بى على طريق يوسف كى يصيبنى غبار عسكره ، ثم أسلمت وحسن إسلامها ، وقالت : لعلى ألقى يوسف عليه السلام حتى يعرف بإسلامى ، فيتعطف علىَّ الآن ، لأن إلهه كريم ، ومحبته قد دخلت [ قلبى ] وقالت لامرأة مصرية كانت تخدمها : خذى بيدى وأوقفينى على قارعة الطريق ، فإذا دنا يوسف منى فأخبرينى ، فلما دنا منها منها أخبرتها فنادت يوسف فلم يجبها ولم يلتفت إليها ، فنزل جبريل عليه السلام ، وأخذ بزمام بغلته ، وقال له : يا يوسف انزل وأجب هذه المرأة ، قال له : ومن هى يا جبريل؟ قال له : انزل واسألها من هى ، فقد أسلمت وحسن إسلامها .
فنزل وقال لها : من أنت؟ قالت له : يا يوسف كأنك ما عرتفنى ، ما أسرع ما أنكرتنى وكشفت رأسها ، وذرت عليه التراب وقالت : وا فوت عمرى حين أحببت من لا يعرفنى ، يا يوسف إن الطاعة والمعرفة تصيران العبيد ملوكا ، والمعصية تصير الملوك عبيدا أنا زليخا التى خدمتك بروحى وجميع جوارحى ، فتحير من ضعفها وهرمها ، لأنه لم يعلم أنها فى الحياة فدخل حبها قلبه لما أخبره جبريل عليه السلام بإسلامها ، فرق لعيها ، وبكى رحمة لها .
فقال له جبريل عليه السلام : إن ربك يقرئك السلام ، ويقول لك : اقض حاجتها . فقال لها عند ذلك يوسف عليه السلام : ما حاجتك يا زليخا؟ قالت له : أردت أن أكون فى دارك على أعيش بكلامك إذا سمعته ، فما أوصلنى إلى هذه الحالإلا غيبتى عنك ، فقال لها : أتريدين أن تكونى لى زوجة؟ فقالت له : أتهزأ بى ، فما نظرت إلىَّ وقت حسنى وجمالى ، وقدى واعتدالى ، أنتظر إلىَّ اليوم ، والله لقد كنت طامعة فى ذلك لرؤيا رأيتها ، إذا بها إضغاث أحلام ، وما أريد إلا أن يرجع إلىَّ بصرى كى أنظر إلى وجهك نظرة ، وتعلمنى شرائع الإسلام حتى أعبد ربك الكريم ، وحقه لقد أحببته .