100
الجزء ٦ · صفحة ٣١٠فقال : مرحبا بأمر الله تعالى وقضائه ، اللهم بارك لى فى لقياك ، وهون على سكرة الموت .
قال وهب بن منبه : لما وصلت الروح صدره قال : اللهم إنى أسألك يا رب أن تهون سكرات الموت على يوسف ، ثم قال : اللهم أن تهون علىَّ سكرات الموت ، ثم قال لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، ثم خرجت روحه .
قال كعب الأحبار رضى الله عنه : مات يعقوب عليه السلام وهو ابن مائتى سنة ، ونزل جبريل ومكائيل فى زمرة من الملائكة يزيدون على عشرة آلاف ملك ، فغسله جبريل ومكائيل وكفناه ، وصولوا عليه ودفنوه ، وأوحى الله جل جلاله إلى جبريل عليه السلام أن انزل على عبدى يوسف ، وقل له : آدرك الله فى أبيك يعقوب ، فوصل قبل الناقة ففعل ، وقد وكل الله سبحانه وتعالى بها ملكا فيحفظها ، ووصلت وسلمت عليه بالعبرانية : السلام عليك يا يوسف ، إن أباك يقرؤك السلام وهو مودعك إلى يوم القيامة .
واجتمع يوسف مع بنيه وإخوته ، فبكوا بكاء شديدا ثلاثة أيام بلياليهن وبكت الناقة لبكائهم حتى حضرتها الوفاة ، قيل : عاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين ، وقيل ستين سنة ، ولما تمت عليه النعم بالجمع بينه وبين أبيه وإخوته ، ومات أبوه ، وعلم أن ملك الدنيا لا يدوم ، وأن الأمر إذا تم زل ، تمنى الموت شوقا غلى ربه وآبائه والملك الدائم فقال : ﴿ ربِّ ﴾ أى يا رب ﴿ قَدْ آتَيتَنى مِنَ الملكِ ﴾ أى شيئا من ملك الدنيا ، وإلا فملك مصر كان قبل ذلك كله بيده ، وريان كتابع له ، وقيل : بعضا من ملك مصر ، على أن ريان لم يخرج منه بالكلية فى أربع عشرة السنين ، أو أراد بعض ملك مصر فى ما بعد الأربع عشرة ، لأنه بعدها رد الملك لريان ، لكن لا يرد أمر أراده ، وعلى كل حال من للتبعيض ، وكذا فى قوله : ﴿ من تأويل ﴾ لأنه لم يؤت إلا بعض التأويل أيضا ، والملك عبارة عن الاتساع فى المقدور لمن له السياسة والتدبير .
﴿ وعلَّمِتنى مِنْ تأويلِ الأحادِيثِ ﴾ الكتب ، أو الرأى على ما مر ﴿ فاطرَ ﴾ صفة للمنادى فى قوله : ﴿ رب قد آتيتنى ﴾ أومنادى أيضا حذف حرف النداء أيضا أى يا فاطر ﴿ السَّمواتِ والأرضِ ﴾ أى موجدهما وخالقهما ، قيل أصل الفطر الشق ، فطر ناب البعير شق وأظهر .
﴿ أنتَ وَليِّى فى الدُّنيا والآخرةِ ﴾ أى متولى أمرى فيهما ، ومعينى وناصرى ، فأنت تصل إلىَّ منك الدنيا بملك الآخرة الدائم ﴿ توفَّنى ﴾ أمتنى الآن ، فعل دعاء على صورة الأمر مبنى على حذف الألف ﴿ مُسلماً ﴾ كما أنا ولا تختم على بكفر ﴿ وألحقْنى بالصَّالحينَ ﴾ من آبائ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، أو أراد الصالحين مطلقا ، ولم يأت عليه أسبوع حتى توفاه الله سبحانه وتعالى ، أتم الأسبوع .
وقيل : أوحى الله جل جلاله إليه لا تموت حتى ترى ستمائة ألف من ولدك ولد ولدك ، فدعا أهل مصر للإيمان فأبوا ، فخرج هو وإخوته ومن اتصل بهم أربعين ألف رجل وامرأة غير الخدم والذرارى والنساء ، ونزلوا عشرة فراسخ من مصر ، فأوحى الله سبحانه وتعالى لجبريل : انزل على عبدى يوسف وأمره أن يبنى حيث نزل مدينة يسميها الحرمين ، وهى الفيوم تسكنها والمؤمنون ففعل ، قيل له : أين الماء؟ وقد بعد بفراسخ ، فدعا ربه جل جلاله ، فخرق جبريل نهرا فى الأرض من النيل إليها ، فبنوا عليها سورا عظيما وبوبها ، وكتبوا على أبوابها هذه مدينة الحرمين بناها يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ونصب فيها الدكاكين والأسواق ، وتحولت بركة مصر إليها ، وكان خراجها كل يوم ألف دينار ، فلذلك سميت الفيوم وذكر السيوطى أنها سميت لبنائها فى ألف يوم ، فماتت زليخا فصلى عليها وبنوها ، وبنو أبنائها .