4
الجزء ٣ · صفحة ٣٦﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ : أي من قبل الكتاب أو من تبيينه .
﴿ هُدىً ﴾ : حال بمعنى هادياص أو ذي هدى من ضمير أنزل ، أو حال من التوراة والإنجيل ، أي هاديين أو ذوى هدى ، أو مفعول لأجله .
﴿ للِنَّاسِ ﴾ : الكائنين قبل نزول القرآن ، وأما بعد نزلوله ، مما كان في القرآن مخالفاً لهما ، فالعمل بما فيه مأما ما لم يذكر فيه فقيل : تعبدتا بهما ، وقيل : لا . ويدل علىلثاني : هؤلاء محرفون لا نعلم بما في أيديهم ، إلا أن وافق القرآن ، أو كان على عهد سيدنا محمد - A - فأجازه .
﴿ وأنَزْلَ الفُرْقَانَ ﴾ : وهو تكرير لقوله نزل عليك الكتاب ، مع زيادة معنى آخر : وهو الوصف بأنه معجز ، يقرف بين الحق والمبطل ، وذلك تعظيم للقرآن ، وإظهار لمزيته ، إذ شارك الكتب ، في كونه وحياً منزلاً وتميز عنه بالإعجاز ، وليدل على الفرق بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى في أمر عيسى ، وقيل : المراد الكتب الثلاثة ، التوراة والإنجيل والقرآن . وقال السدى : الأصل وأنزل التوراة ، والإنجيل ، وأنزل الفرقان هدى للناس ، فالهدى رابع الكتب الثلاثة ، وقيل : الفرقان الزبور ، واعترض بأن الزبور مواضع لا أحكام وشرائع ، وقيل : كتب الله فإنها فارقة بين الحق والباطل ، وذلك عموم بعد تخصيصن وقيل : المعجزات للرسل كلهم . وإنزالها : إيجادها من السماء أو الأرض أو غيرهما .
﴿ إنَّ الذينَ كَفَرُوا بِآياتِ الله ﴾ : كُتبه ، وهو المشركون ، وأهل الكتاب الجاحدون للتوراة أو الإنجيل أو الفرقان أو غيرهم ، أو سائر الوحى والمعجزات .
﴿ لهُم عَذابٌ شَديِدٌ ﴾ : في الآخرة لكفرهم .
﴿ واللهُ عَزيِزٌ ﴾ : غالب لا يرد عما أراد من ا لتعذيب ، كما لا يرد عن كل ما اراد .
﴿ ذُو انْتِقامٍ ﴾ : شديد لا يطاق ، ولا يقدر منقم على أن ينتقم مثله . والانتقام عقوبة المجرم ، والفعل الثلاثي ( نقم ) ، بفتح القاف وكسرها ، والفتح أفصح .
وقوله : إن الذين كفروا وعيد جىء به بعد تقرير التوحيد ، بقوله : الله لا إله إلا هو لحىّ القيوّم ، وبعد الإشارة إلى العمدة في إثبات رسالة سيدنا محمد - A - بقوله تعالى : نزل عليك الكتاب ، تعظيما لرسالته ، وزجرا عن إنكارها ، وسبب نزول أول السورة إلى قوله : ﴿ فقل تعالوا ندعُ أبْنَاءَنَا وأبناءكم . . الآية ﴾ أنه قدم وفد نجران ، رسول الله - A - وهم ستون راكباً ، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، وثلاثة من أكابر القوم ، إليهم يؤول أمرهم : العاقب طعامهم وشرابهم ورحلهم ، وأبو حارثة أثقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارستهم وكان ملوك الروم ، قد شرفوه ومولوه ، وبنوا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات ، لما رأوا من اجتهاده في دينهم ، ولما وجهوا إلى رسول الله - A - من نجران ، جلس أبو حارثة على بغلته ، وإلى جنبه أخ له يقال لهك كوز ، ، فعترت بغلة أبي حارثة ، فقال كوز : تعس البعد يدعو بذلك على النبي - A - فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست .