48
الجزء ٥ · صفحة ٣٩٣﴿ فلمَّا تَراءتِ الفِئتانِ ﴾ فئة الإسلام وفئة الكفر ، أى رأت كل منهما الأخرى والتقتا للقتال ، وتراءت تفاءلت لكن حذفت لام الكلمة وهى الياء المبدلة ألفا ، والأصل تراءت بألف بعد الهمزة أيضا حذفت لسكون التاء الأصيل ولم يعتد بكسرتها لعروضها للساكن ، وقرأ الأعمش ، وعيسى بن عمر : ترد بإسقاط الألف قبل الهمزة أيضا ، وحكى أبو حاتم ، عن الأعمش أنه أمال ورقق الراء ، ثم رجع عن ذلك .
﴿ نَكَصَ ﴾ رجع من حيث جاء فقوله : ﴿ عَلَى عَقِبيْهِ ﴾ تأكيد لنكوصه زيادة لذمه ، وقيل : نكص بمعنى رجع على عقبيه أو غيرهما ، فقوله : ﴿ على عقبيه ﴾ بيان لكون الرجوع من حيث جاء ، وقيل : معنى تكون صه على عقبيه الانهزام والإحجام ، وليس المراد أنه رجع إلى عقبيه ، واختار بعض واستبعد القولين قبله ، وقيل : معناه أنه صار ما خيل لهم أنه مجيرهم سببا لهلاكهم ، ثم أعلم أنه إذا بنينا على قول الجمهور أن القول باللسان فى مكة فقد تبعهم أيضا فى صورة سراقة حتى تراءت الفئتان ، انتزع يده فهرب ، وكانت الهزيمة ، ولما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة بن مالك ، فبلغ ذلك سراقة ، فأتى مكة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيمتكم ، فقالوا أما أتيتنا يوم كذا فى مكان كذا؟ وقلت كذا وفعلت كذا؟ فحلف بالله ما رأيتكم وما كنت معكم ، وملا أسلموا علموا أنه الشيطان .
﴿ وقالَ إنِّى بَرِئٌ منْكُم ﴾ أتخلص منكم لا يصيبنى ما يصيبكم ، وهذه المقالة أيضا فى الظاهر بلسانه يسمعونها ، أو تمثيل بحاله وعدم إغنائه عنهم شيئا ﴿ إنِّى أرَى مَا لا تَروْنَ ﴾ رأى جبريل بين يدى النبى A معتجرا ببرد يمشى ، وفى يده اللجام يقود الفرس ، ورأى الملائكة ، ورأى جبريل قاصدا له ، وسكن غير نافع ، وابن كثير هذه الياء ، والياء فى قوله : ﴿ إنِّى أخافُ اللهَ ﴾ أن يعذبنى بعذاب ، أو يصيبنى بمكروه ، ولم يخف الموت على أنه عالم بأن الأجل المنظَّر هو إليه يوم القيامة كما قال الحسن ، واختاره ابن بحر ، وخاف أن يميته فيكون ذلك الوقت هو الوقت المنظر إليه ، على أنه غير عالم بأن أجله يوم القيامة ، وعلى كل حال فليس المعنى أنى أتقى الله .
وقال الكلبى : إنه أراد أنى أتقى الله ، قال : وهو كاذب ، وقيل : لما رأى نزول الملائكة خاف قيام الساعة ، وقيل خاف أن يأخذه جبريل فيعرف حاله فلا يطيعوه ، وهكذا عادة عدو الله إبليس لعنه الله ، أن يخذل أولياءه ويتبرأ منهم إذا رأى الحق غالبا .
قال ابن إسحاق : ذكرنى أنهم كانوا يرونه فى كل منزل فى صورة سراقة لا ينكرونه ، حتى إذا كان يوم بدر ، و التقى الجمعان نكص على عقبيه ، فقال له الحارث بن هشام ، أو عمير بن وهب : أين أى سراقة أتزعم أنك جار؟ قال حسان :