72
الجزء ٥ · صفحة ٤٢٣﴿ إنَّ الَّذينَ آمنُوا وهَاجرُوا ﴾ أوطانهم ، وأقاربهم ، وأموالهم حبا لله ورسوله ، والمفاعلة لأنك إذا هجرت شيئا فقد هجرك ﴿ وجاهَدُوا بأمْوالهم ﴾ كالإنفاق والسلاح والخيل ﴿ وأنفُسهِم فى سبيلِ الله ﴾ بمباشرة القتال وهم المهاجرون الأولون ﴿ والذين آوَوْا ونَصرُوا ﴾ ضموا النبى A والمهاجرين إلى مازلهم ، وأسكنوهم إياها ، وقاموا بهم ونصروهم على أعدائهم المشركين والمنافقين ، وهم الأنصار رضى الله عنهم ﴿ أولئِكَ بعْضُهم أولياءُ بعضٍ ﴾ فى الميراث والنصر .
﴿ والَّذينَ آمنُوا ولَم يُهاجِرُوا مَا لكُم مِن وَلايَتهمْ ﴾ ميراثهم ونصرهم ﴿ مِنْ شئٍ حتَّى يُهاجرُوا ﴾ كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة دون أقاربهم من الكفار ، حتى فتحت مكة ، ونسخت الهجرة نسخ ذلك بقوله سبحانه : ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الخ فتوارثوا بالأرحام ، وكان الرجل قبل ذلك يسلم ولا يهاجر فلا يرثه أخوه ، ولا يرث أخاه فى النسب ، وآخى النبى A بين أبى بكر وخارجة ، وبين أبى عبيدة وسعد بن معاذ على المواساة ، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوى الأرحام وقال : « تواخوا فى الله أخوين » واحد من الأنصار وواحد من المهاجرين .
وآخى قبل الهجرة أيضا بين المسلمين فى مكة ، كما روى أنه آخى بين أبى بكر وعمر ، وكان إذا مات المهاجر وترك أخاه الأنصارى ، وأخاه النسبى ، وإذا مات الأنصارى وترك أخاه النسبى المؤمن ، وأخاه المهاجر ورثه النسبى كما ذكره ابن عباس ، والحسن ، وابن زيد ، ومجاهد ، وقتادة .
وروى أنه آخى بين المهاجرين والأنصار بعد قدومه بخمسة أشهر ، وكانوا تسعين رجلا ، من كل طائفة خمسة وأربعين ، ونسخ ذلك بعد الفتح بقوله : ﴿ وأولى الأرحام ﴾ الخ فى هذه السورة ، وقيل : بالذى فى الأحزاب ، وعلى الأول فقوله فى هذه السورة : ﴿ وأولى الأرحام ﴾ متأخر النزول ، وكان ذلك فيما قال الحسن حضاً للأعراب على الهجرة ، هل المهاجرون أفضل أو الأنصار؟ قيل : المهاجرون لأنهم مبدأ الإسلام وأصله ، ولأن مفارقتهم أقاربهم وديارهم ، وأموالهم وأصحابهم ، أشد على النفس من إنفاق المال ، وإسكان المنازل وهو الصحيح ، لأن مفارقتهم منازلهم مقابل بإسكان الأنصار منازلهم للمسلمين المهاجرين ، وقد أنفق المهاجرون الأموال فقدرهم ، كما أنفق الأنصار وفاقوا بمفارقة ما ذكر ، وبما أوذوا فى الله وغير ذلك .
وأما نحو قوله A : « لو سلك الناس مسلكا لسلكت مسلك الأنصار » فقاله تطيبا لأنفسهم ، وشفقة لهم ، وصدق أنه يسلك مسلكهم لا بيان لكونهم أعظم ثوابا ، وكانت الخلافة فى المهاجرين ، وقيل : الأنصار أفضل وقرأ ابن وثاب ، والأعمش ، وحمزة : ولايتهم بكسر الواو وتشبيها بما يدل على الحرفة ، كأنه بتوليه صاحبه يحاول عملا فهو شبيه بنحو الحراثة والخياطة والزراعة ، قاله شيخ الإسلام وغيره ، وذلك أن الثلاثى المفتوح والمكسور الدالين على حرفة أو استيلاء قياس مصدرهما الفعالة بالكسر ، ولو متعديين ، ولا يخفى أن الفتح فى الآية أجود ، ولغة الكسر دون ذلك كما قال الأخفش ، فخطأ الأصمعى فى تخطئته الأعمش حين قرأ بالكسر بل تقول : ما قرأ به إلا وقد رواه لغة .
﴿ وإنِ اسْتنصرُوكم ﴾ طلبوا منكم النصر ﴿ فى الدِّينِ فَعليْكم النَّصْر ﴾ أن تنصروكم على المشركين ﴿ إلا عَلى قومٍ ﴾ أى إلا النصر على قوم مشركين ﴿ بينكُم وبيْنَهم ميثاقٌ ﴾ عهد فلا تنقضوا عهدهم بالنصر عليهم ﴿ واللهُ بما تعْمَلونَ بصيرٌ ﴾ خطاب للمسلمين ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى ، والأعرج بالتحتية ، وعليه فالضمير للذين آمنوا ولم يهاجروا ، أو للقوم الذين لهم ميثاق .