هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

102

الجزء ٦ · صفحة ٨٨

﴿ وآخَرُون ﴾ معطوف على ﴿ منافقون ﴾ ﴿ اعْترفُوا ﴾ أقروا بذنوبهم ولم يعتذروا بباطل ، صفة لآخرون ، أو آخرون مبتدأ والجملة خبره أو نعته ، والخبر ﴿ خَلطُوا عملاً صَالحاً وآخر سيئاً ﴾ أو هذه نعت ثان ، وحال من واو اعترفوا والخبر ﴿ عَسَى اللهُ أن يتُوبَ عَليْهم ﴾ لأنه ولو كان إنشاء لكنه فى الحقيقة وعد وإخبار جىء بصورة الترجى ليكونوا فى خوف وطمع ولا يأمن ، أو رجح الطمع بقوله : ﴿ إنَّ اللهَ غَفورٌ ﴾ للذنب ﴿ رَحيمٌ ﴾ بالإعطاء ، وأشار به إلى أن ذلك وعد منجز ، أو يقدر القول ، أى مقول فيهم : عسى الله أن يتوب عليهم .

وهؤلاء المعترفون ثلاثة : أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، وأوس ابن ثعلبة ، ووديعة بن حزام ، وقال قتادة : والحسن : هم الثلاثة الذين خلِّفوا : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وعنهم أنهم نفر هموا بشىء ولم يعزموا عليه وتابوا منه ، وقال ابن عباس : عشرة ، وعنه : خمسة ، وقال ابن جبير : ثمانية أحدهم على كل قول أبى لبابة ، ندموا على تخلفهم بعد نزول القرآن فى المتخلفين وبلوغه لهم ، وقالوا : كيف : تكون فى الظل مع النساء ، ورسول الله A والمؤمنون فى الجهاد ، وأيقنوا بالهلاك ، فأوثقوا أنفسهم على سوارى المسجد حين قرب من المدينة فى رجوعه .

وقيل : « هم عشرة ، أوثق أنفسهم سبعة ، وقيل : هم سبعة فقط ، زعم بعض أن منهم الجد بن قيس ، ولما قدم رسول الله A ، دخل المسجد وصلى ركعتين على عادته إذ قدم من سفره ، فرآهم موثقين ، فسأل عنهم فقيل : تخلفوا عنك ، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم وترضى عنهم ، فقال A ، » وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم ، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين « ونزلت هذه الآية فرضى عنهم ، وأطلقهم » ، فذنوبهم هو تخلفهم ، وهو أيضا العمل السىء ، والعمل الصالح توبتهم ، وقيل ذلك على عموم الذنب ، والعمل الصالح ، ولو كان سبب النزول خاصا .

قيل : ما فى القرآن أعدل من هذه الآية ، وقيل : الآية فى أبى لبابة وذنبه ، هو قوله لبنى قريظة : إن نزلتم على حكم سعد فحكمه الذبح ، ندم وربط نفسه بسارية ، وحلف أن لا يحل نفسه ، ولا يذوق طعاما أو شرابا حتى يموت أو يتوب الله سبحانه عليه ، فمكث كذلك سبعة أيام ، وخر مغشيا عليه ، فنزلت ، فقال : والله لا أحل نفسى حتى يحلنى رسول الله A فحله ، وعمله الصالح هو جهاده قبل ذلك ، وتوبته هذه ، وقيل : توبته .

وقيل : هؤلاء المعترفون قوم من الأعراب منافقون تابوا ، وإن قلت : توبة الله على عبده قبوله التوبة منه ، ولم يذكر الله سبحانه عنهم توبة؟ قلت : إنهم تابوا ، وأخبرنا الله عنها بقبولها لاستلزامه إياها ، وبذكر الغفران والرحمة ، لأن الرحمة لمن تاب ، وبقوله : ﴿ اعترفوا ﴾ فإن الاعتراف ولو كان مجرده غير توبة لكنه يشير إليها ، وإذا قارنه الندم والإصلاح حصلت التوبة .

٢٬٥٨٨ / ٧٬٦٨٠