19
الجزء ٦ · صفحة ١٦١ولما كان بعد خمسين سنة قال لغلامه : إن وجدت هذا الغلام الذى أطلبه أعتقك وأعطيتك نصف مالى ، وكان فى دمشق حين ألقى يوسف فى الجبن ، وانصر وبلغ أرض كنعان ، فرأى طيورا تطير حول الجب ، وتطوف كما يطوف الحاج بالبيت ، وكانوا ملائكة أرسلهم الله تعالى إكراما ليوسف عليه السلام ، فظن أنها طيور ، ولم يظن أن لله ملائكة ، لأنه كانيعبد الأصنام ، فقال للسيارة تعالوا نمضى إلى الجب لعل الماء قد نبع فيه ، فلما دنوا من الجب تسابقت الحمر ، وألقت ما عليها من الأحمال ، وقصدت نحو الجب حتى تشم رائحة يوسف ، وتمرغت فى التراب حين وصلت قرب الجبن ، فنزل فأرسل عبده بشرى وخادمه ماملا ، ولما أخرجه نادى ذلك العبد المخرج له المسمى بشرى : يا بشراى نادى بشارته فإن له عتقا ونصف مال سيده على ذلك .
وقيل : قيل لمالك بن ذعر فى منامه : لا بد أن تجد غلاما فى جب بين مدين ومصر ، تنال به مالا عظيما ، ورفعة وجاها ، وكان له غلام اسمه بشرى ، فقال ، إن قصدت هذا الغلام فأنت حر ، فجعل يتردد إلى مصر ليجد هذا الغلام ، وأدلى دلوه بنفسه ، فتعلق بحبله فرآه كما وصف له فى النوم ، فصاح لغلامه : يا بشراى هذا غلام ، فعلى هذا يكون بشراى من إضافة العلم كقوله :
* ليلاى منكن أم ليلى من البشر *
ومن قرأ يا بشرى لم يضفه فهو كيازيد ، وقيل : إنما أخرجه الخادم فنادى الغلام المسى بشرى باسمه .
وعن السدى : كان [ من ] أصحاب هذا الوارد رجل يسمى بشرى ، قيل : لم يره على صورته التى هو عليها ، وإلا لم يقدر أن يشتريه ، ولما أراد الوارد إدلاء الدلو نزل جبريل فقال : قم يا يوسف ، فقال : إلى أين؟ قال : تذكر يوما نظرت فى المرآة فقلت فى نفسك : لو كنت مملوكا ما قام أحد ثمنى؟ قال : نعم ، فقال له : اطلع حتى ترى ثمنك ، فكان بخسا دراهم معدودة .
قيل ليوسف : بأى كلمة تخلصت من أيدى إخوتك ومن الجب؟ قال : بكلمة تفرد بها من قال أنا أضحكت وأبيكت ، من سمعها ألفها ، وإذا ألفها عشقها لم يخالفها ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وهى مكتوبة فى التوارة بالعبرانية ، ثم إن مالكا قال له : من أنت؟ قال : أنا عبد أى عبد الله .
﴿ أسرُّوه بِضاعةً ﴾ أى أخفاه الوارد ومن معه ، وهم مالك ابن ذعر وخادمه وعبده عن التجار الذين معهم ، وقالوا : هو بضاعتنا استنبطناها من بعض آل مصر ، قال مجاهد : وذلك لئلا يطلب فيه الشركة إن علموا حاله ، أى لئلا يأخذه جبار إن كان معهم ، وقيل : استبضعها لنا أهل الماء لنبيعها بمصر ، وقيل : أخفوه عن أعينهم ، أو كانت الرفقة كثيرا يمكن أن لا يعلموا بحدوثه فيهم إلا بإخبار فلم يخبروهم .