هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

20

الجزء ٦ · صفحة ١٦٤

قيل : ألقت الحوامل فى بطونها من هول ذلك التوديع ثم قالوا : يا يوسف ندمنا على ما فعلنا ، ولولا خشيتنا من أبينا واستحيائنا منه لرددناك ، ولما رجع إلى مالك شديده ، وسلمه إلى فليج عبد له أسود وقال له : عينك عليه ألا يهرب . فقال فليج : يا سيدى رجعت إلى الشام مائة مرة فى خمسين سنة لأجله ، ثم تعفل به هذا الفعل ، وإنى أراه ضعيفا نحيفا ، قال : نعم ، وأنا أيضا متفكر فيه ، لأن المعبر وصفه لى بوصف تحير فيه العقول ، اشتريته بشعيرة منذهب ، أى بقيمتها دراهم ، وهو [ أى يوسف ] يساوى دنانير ، ويوسف يسمع ويضحك لعلمه أنه مستور على العيون .

وقد زعم من زعم أن ما رآه على صورته إلا يعقوب ، وذهب بصره عليه ، وزليخا وذهبت صحتها عليه ، وأبو يحيى ذهب ماله عليه ، ولما انتصف النهار ، بلغ يوسف إلى قبر أمه وطرح نفسه عليه ، وبكى وسمع أتينا من القبر وهو يقول : وا ولداه ، واقرة عيناه ، وا ثمرة فؤاداه ، فخر مغشيا عليه ، ثم إن الأسود طلبه ولم يجدهن فصاح لسيده : هرب الغللام ، قل للسيارة يفقوا فرجع الأسود فلما رآه لطمه وجره برجله على وجهه ، ويوسف يقول : يا رب إن أتيت بزلة فاعف عنى بحق آبائى فإنهم ما عصوك ، فظهرت غمامة سوداء على رءوسهم فأمطر بَرَداً ، البردة كبيضة النعامة .

فلما أيقنوا بالهلاك قال لهم مالك : إن كان فيكم مذنب فليتب قبل الهلاك ، قال الأسود : أنا المذنب ، قال : وكيف؟ قال : فعلت بالغلام العبرانى كذا وكذا . فحرك شفتيه وتكلم بكلمتين ، فعند ذلك ظهرت هذه الغمامة ، فجاءه مالك وتضرع إليه ، وقال : يا غلام أظن بينك وبين إله السماء قربة؟ قال : نعمن قال : فارحمنا ولا تؤاخذنا بأفعالنا ، ونحن تائبون ، فتكلم بكلمتين وهو يتبسم فانقشعت الغمامة ، وذهب البرد ، فظهرت الشمس بقدرة الله تعالى ، فقال مالك : عرفت جاهك عند الله تعالى ، فلا يجوز لى أن أتركك على هذه الحالة ، فأزال عنه القيد ، وألبسه الحرير زينه الذهب ، وقال للقافلة : قدموه أمامكم ولا تستقدموه .

فلما دخلوا مدينة نابلس ، وكان أهلها يعبدون الأصنام ، فلما رأوه قالوا : من خلقك؟ قال : الله تعالى . قالوا : آمنا بالذى خلقك ، وكسروا الأصنام ، واشتغلوا بعبادة الرحمن ، ولما دخلوا مدينة بيسان ، وكان أهلها مؤمنين اجتمعو إليه واتخذوا أصناما على صورته ، وعبدوها ألف سنة .

٢٬٦٦٤ / ٧٬٦٨٠